رموز الإستقلال

عبد الخالق الطريس.. حين تتحول السياسة إلى رسالة

محمد سعيد الاندلسي

ليس كل من دخل السياسة سعى إلى السلطة، فهناك من جعل منها رسالة قبل أن تكون منصباً. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عبد الخالق الطريس، أحد أبرز رجالات الحركة الوطنية المغربية، ورمز من رموز النضال الفكري والسياسي الذي آمن بأن الكلمة الصادقة قد تكون أقوى من السلاح، وأن بناء الوطن يبدأ ببناء الوعي.

داخل مسار حزب الاستقلال، لم يكن الطريس مجرد اسم في سجل القيادات، بل كان ضميراً سياسياً حمل همَّ الوحدة الوطنية في مرحلة كان المغرب فيها يعيش انقساماً بين منطقتي الحماية الفرنسية والإسبانية. وقد أدرك أن الوطن لا يكتمل إلا إذا توحدت إرادة أبنائه، لذلك جعل من التقارب بين القوى الوطنية مشروعاً دائماً، حتى أصبح اندماج حزب الإصلاح الوطني الذي كان يقوده في حزب الاستقلال خطوة تاريخية نحو توحيد الصف الوطني.

كان عبد الخالق الطريس يؤمن بأن الحزب ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لترجمة تطلعات الشعب إلى مشروع سياسي قادر على حماية الاستقلال وصون كرامة الإنسان. ولذلك لم ينظر إلى العمل الحزبي باعتباره منافسة على المواقع، وإنما مسؤولية أخلاقية تقوم على خدمة الوطن والدفاع عن قيم الحرية والعدالة والوحدة.

وإذا كان بعض القادة يُعرفون بخطاباتهم، فإن الطريس عُرف أيضاً بقلمه. فقد أدرك أن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل صناعة للوعي، وأن الكلمة الحرة قادرة على إيقاظ الشعوب وتحصينها من الاستسلام. لذلك ظل الفكر والثقافة ركيزتين أساسيتين في مشروعه السياسي، فجمع بين صلابة المناضل وهدوء المفكر.

فلسفياً، يجسد عبد الخالق الطريس صورة السياسي الذي لم يفصل بين الأخلاق والسياسة، بل رأى أن الشرعية الحقيقية لا تُكتسب بالقوة، وإنما بالثقة التي يمنحها الشعب لمن يجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. ولهذا بقي حضوره في الذاكرة المغربية مرتبطاً بالحكمة والاعتدال والإيمان بالحوار والعمل المؤسسي.

لقد رحل عبد الخالق الطريس، لكن أثره بقي حاضراً في تاريخ الحركة الوطنية وحزب الاستقلال، لأن الرجال الذين يؤسسون للأفكار يعيشون أطول من أعمارهم. فالتاريخ لا يخلد من شغل المناصب فحسب، بل يخلد من جعل من السياسة مدرسة للقيم، ومن الوطنية التزاماً لا ينتهي بانتهاء اللحظة، بل يمتد عبر الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى