الدكتورة جميلة العماري… حين يصبح العلم وطناً، وتغدو الكفاءة شكلاً من أشكال النضال

محمد اليطفتي
في المدن الكبرى،حيث تتزاحم الأسماء وتتنافس الوجوه على احتلال الواجهة،يظل هناك أشخاص يختارون طريقاً مختلفاً؛ طريقاً لا تصنعه الأضواء ولا تصفق له المنصات الرقمية،بل تشيده سنوات طويلة من العمل الصامت، والالتزام العميق، والإيمان بأن بناء الإنسان يسبق بناء الشهرة.
ومن بين هذه النماذج التي تفرض حضورها بهدوء وثبات،تبرز الدكتورة جميلة العماري،إحدى الكفاءات الأكاديمية اللامعة بمدينة طنجة،والوجه الذي استطاع،في زمن التحولات السريعة،أن يحافظ على تلك المعادلة النادرة بين التميز العلمي، والانضباط المهني،والحضور الإنساني المؤثر.
كما تشكل الدكتورة جميلة العماري إحدى الوجوه الفاعلة داخل رابطة الأساتذة الجامعيين الاستقلاليين،وهي من مؤسسي فرع الرابطة بمدينة طنجة،حيث ساهمت إلى جانب ثلة من الكفاءات الجامعية في ترسيخ حضور الفكر الأكاديمي داخل الفضاء الحزبي،وتعزيز انخراط الجامعة في قضايا المجتمع والتنمية.وقد حظيت بتقدير واحترام المناضلات والمناضلين لما راكمته من تجربة علمية وإدارية رفيعة،ولما تتمتع به من رصيد أخلاقي وإنساني يجعل حضورها محل احترام واسع داخل مختلف الأوساط التي تنشط بها.
إن بعض الأشخاص يدخلون المؤسسات فتتغير المؤسسات بهم، بينما يدخل آخرون المؤسسات فتزداد هيبةً بحضورهم. والدكتورة جميلة العماري من هذا الصنف الثاني؛صنف الذين يحملون معهم تاريخاً من الاجتهاد والجدية،فيصبح وجودهم إضافة نوعية لكل فضاء يحلون به.
داخل أروقة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة،حيث تتقاطع الأحلام الكبرى للآلاف من الطلبة مع تعقيدات الواقع الأكاديمي،صنعت الدكتورة العماري مكانتها بهدوء العالم،لا بضجيج الباحث عن الاعتراف.لم تكن يوماً أستاذة تكتفي بإلقاء الدروس،بل كانت مشروعاً تربوياً متكاملاً يؤمن بأن الجامعة ليست مجرد فضاء لتلقين المعارف،وإنما ورشة كبرى لصناعة المواطن الواعي والقادر على مواجهة الحياة.
هناك، في المدرجات الجامعية،حيث تتعاقب الأجيال وتتغير الوجوه،ظل اسم جميلة العماري ثابتاً في ذاكرة الطلبة.ليس لأنها اختارت الطريق السهل نحو الشعبية السريعة،بل لأنها آمنت دائماً بأن الاحترام الحقيقي يولد من الصرامة العلمية، وأن الأستاذ الناجح ليس من يمنح الأجوبة الجاهزة،بل من يعلم طلبته كيف يطرحون الأسئلة الصحيحة.
ومن يتأمل مسارها الأكاديمي يدرك سريعاً أنه أمام شخصية استثنائية.فهي أستاذة التعليم العالي المتخصصة في القانون، والمنسقة لماستر “قانون الاستثمار وآليات تدبير المنازعات”،وهي أيضاً أول امرأة تتولى رئاسة شعبة القانون الخاص بالكلية، في سابقة جسدت قدرة المرأة المغربية على اقتحام مواقع المسؤولية العلمية والإدارية بكفاءة واقتدار غير أن الألقاب وحدها لا تروي القصة كاملة.
ففي العمق،كانت رحلة جميلة العماري رحلة صعود هادئ، لكنها شاقة.رحلة امرأة اختارت أن تواجه تحديات الجامعة العمومية المغربية بكل ما تحمله من إكراهات،وأن تظل وفية لفكرة المؤسسة، مؤمنة بأن الإصلاح الحقيقي لا يصنع من خارج الأسوار،بل من داخلها.
ولهذا لم يكن توليها مسؤولية رئاسة شعبة القانون الخاص مجرد منصب إداري عابر،بل كان اختباراً يومياً للقدرة على التوفيق بين متطلبات التدبير الأكاديمي وتحديات الواقع. فخلف الأبواب المغلقة،حيث لا تصل عدسات الكاميرات،كانت هناك ملفات معقدة، وإكراهات متجددة،ومسؤوليات ثقيلة تتطلب الكثير من الحكمة والصبر وحسن التدبير.
لكن ما يميز الدكتورة جميلة العماري حقاً ليس فقط نجاحها الإداري أو تفوقها الأكاديمي،بل تلك القدرة النادرة على التأثير في الآخرين.
فأجيال من الطلبة تتحدث عنها باعتبارها أستاذة ملهمة قبل أن تكون مجرد مؤطرة أكاديمية.أستاذة تؤمن بقدرات طلبتها، وتشجعهم على تجاوز حدود الممكن،وتزرع في نفوسهم الثقة بأن النجاح ليس امتيازاً يولد مع البعض،بل نتيجة طبيعية للإصرار والعمل والانضباط.
ولعل أجمل ما في قصتها أنها لم تأت من فراغ. فقد نشأت في بيئة متشبعة بقيم العلم والمعرفة، وحملت معها منذ البدايات ذلك الإيمان العميق بأن المعرفة ليست وسيلة للترقي الاجتماعي فقط، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع والوطن.
وحين انتقلت إلى تحمل مسؤوليات وطنية كبرى،مديرةً للموارد البشرية بوزارة التعليم العالي،ثم مستشارة لرئيس الحكومة مكلفة بقطب التربية والتكوين والتعليم،لم تتخل عن جوهرها الأكاديمي.بل ظلت تنظر إلى تلك المواقع باعتبارها امتداداً لرسالتها الأصلية في خدمة المعرفة والإنسان.
وفي عالم السياسة،حيث يغري النفوذ كثيرين بتغيير مساراتهم،اختارت هي أن تظل وفية لهويتها الأولى.لم تجعل من الجامعة جسراً نحو المناصب،ولم تجعل من المناصب بديلاً عن الجامعة.بل عادت إلى فضائها الطبيعي،إلى المدرجات وقاعات البحث والتأطير،وكأنها تؤكد للجميع أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بما يتقلده من مواقع،وإنما بما يتركه من أثر.
ولعل هذا ما يفسر المكانة الخاصة التي تحظى بها اليوم داخل الأوساط الجامعية والمدنية والسياسية بمدينة طنجة.إنها مكانة بنيت بالتراكم،لا بالمناسبات؛ وبالإنجاز، لا بالشعارات.
ولأن المجتمعات الحية لا تكرم فقط من يرفعون أصواتهم،بل أيضاً من يرفعون مستوى مؤسساتها،فقد كان طبيعياً أن يبرز اسم الدكتورة جميلة العماري ضمن الشخصيات التي تحظى بتقدير واسع في المدينة،وأن ينظر إليها الكثيرون باعتبارها نموذجاً للمرأة المغربية الكفؤة التي استطاعت أن تجمع بين العلم والتدبير والالتزام.
أما داخل حزب الاستقلال،فإن حضور الدكتورة جميلة العماري يشكل قيمة مضافة حقيقية،لأنه يجسد ذلك الرهان الاستقلالي المتجدد على استقطاب الكفاءات الوطنية، وربط العمل السياسي بالكفاءة العلمية والخبرة المؤسساتية. كما يعكس انخراطها في رابطة الأساتذة الجامعيين الاستقلاليين إيمانها بأهمية مساهمة النخب الأكاديمية في النقاش العمومي وفي دعم المشروع المجتمعي الذي يتبناه الحزب.
فحزب الاستقلال،الذي ظل عبر تاريخه مدرسة للنخب الوطنية،يجد في أمثال الدكتورة جميلة العماري امتداداً طبيعياً لتقاليده العريقة في احتضان أصحاب الفكر والمعرفة والخبرة.
وفي نهاية هذا البورتريه،قد لا يكون أهم ما يمكن قوله عن الدكتورة جميلة العماري أنها أستاذة جامعية مرموقة، أو مسؤولة إدارية ناجحة،أو إطار سياسي محترم؛ فهذه كلها أوصاف صحيحة، لكنها لا تختصر حقيقتها كاملة.
الحقيقة الأعمق هي أنها تمثل نموذجاً نادراً للإنسان الذي ظل وفياً لقيمه وسط عالم سريع التغير؛نموذجاً يؤمن بأن بناء العقول أهم من صناعة الصور،وأن أثر المعرفة أبقى من بريق اللحظة.
إنها واحدة من تلك الشخصيات التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تُرى،لأن حضورها يسبقها،وأثرها يتحدث عنها.
هي الدكتورة جميلة العماري… امرأة اختارت أن تجعل من العلم رسالة،ومن الكفاءة أسلوب حياة،ومن خدمة الوطن التزاماً يومياً لا يحتاج إلى إعلان.
ولهذا استحقت أن تكون إحدى الوجوه المضيئة في حاضر طنجة،وإحدى الشخصيات التي يعتز حزب الاستقلال بانتمائها إلى مدرسته النضالية والفكرية.




