عبد السلام النقاش.. حين يصبح الوفاء مدرسة والنضال أسلوب حياة

هناك رجال يمرون عبر المؤسسات فيتركون بصماتهم على الجدران والوثائق، وهناك رجال يمرون عبر الزمن نفسه فيتركون أثرهم في القلوب والعقول والذاكرة الجماعية.
رجال لا يمكن اختزالهم في منصب شغلوه أو مسؤولية تقلدوها، لأن حياتهم كانت أكبر من كل المناصب، وأعمق من كل الألقاب.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأخ عبد السلام النقاش، أحد قيدومي حزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة، وأحد الوجوه التي ارتبطت في وجدان أجيال من المناضلين بمعاني الوفاء والاستقامة والنضال الصادق.
وحين يُذكر عبد السلام النقاش، لا يُذكر رجل سياسة فقط، بل يُستحضر جيل كامل من الاستقلاليين الذين آمنوا بأن العمل الحزبي رسالة قبل أن يكون موقعا، وأن خدمة الوطن مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون تكليفا تنظيميا.
جيل تربى على قيم الحركة الوطنية، وتشبع بروح مدرسة حزب الاستقلال التي كانت تعتبر النضال اليومي جزءا من الواجب الوطني.
منذ بداياته الأولى، اختار الرجل أن يكون قريبا من الناس، منصتا لانشغالاتهم، حاضرا في تفاصيل حياتهم اليومية .
ولم يكن يبحث عن الأضواء، بل كان يبحث عن الأثر ،ولم يكن يقيس نجاحه بعدد الصور أو الخطابات، بل بقدرته على خدمة المواطنين والمساهمة في حل مشاكلهم.
ولذلك ظل اسمه يحظى بالاحترام داخل الحزب وخارجه، وبين رفاقه وخصومه على حد سواء.
في جماعة اثنين سيدي اليمني، حيث تولى مسؤولية رئاسة المجلس الجماعي، كان أكثر من رئيس جماعة يدبر الشأن المحلي من وراء المكاتب، فكان بحق رجل ميدان يعرف تضاريس المنطقة كما يعرف خطوط كفه، ويعرف حاجيات السكان كما يعرف تفاصيل بيته.
آمن دوما بأن التنمية ليست شعارات ترفع في الاجتماعات، بل مشاريع تلامس حياة الناس وتحسن شروط عيشهم. لذلك ارتبط اسمه بمرحلة من العمل الجاد والقرب من المواطنين والحرص على خدمة المصلحة العامة.
وفي محطة أخرى من مساره الحافل، شغل منصب نائب رئيس المجلس الإقليمي لطنجة،حيث ساهم في مواكبة عدد من الأوراش التنموية والإدارية التي شهدتها المنطقة .
وهناك أيضا ظل وفيا لنهجه المعروف: الهدوء في الأداء، والرصانة في اتخاذ القرار،والإيمان بأن المسؤولية تكليف وليست امتيازا.
غير أن قيمة الرجل لا تكمن فقط في المناصب التي تقلدها، بل في قدرته على الجمع بين العمل الإداري والعمل الحزبي والعمل الاجتماعي في آن واحد، فقد تولى مهمة مندوب التعاون الوطني بطنجة، وهي مسؤولية تتطلب حسا إنسانيا عاليا قبل أي شيء آخر.
وهناك كان قريبا من الفئات الهشة والمحتاجين،مؤمنا بأن الدولة القوية هي التي تحمي أبناءها،وأن التضامن ليس مجرد مفهوم إداري بل قيمة إنسانية نبيلة.
ولأن النضال عند عبد السلام النقاش لم يكن مرتبطا بالمناصب،فقد ظل حاضرا بقوة داخل البيت الاستقلالي.
تولى مهمة الكاتب الإقليمي لحزب الاستقلال بطنجة في مرحلة من المراحل التي كانت تتطلب رجالاً قادرين على الجمع بين الحكمة والحزم،وبين الحفاظ على وحدة الصف والانفتاح على الجميع،فأدار الاختلاف بعقلانية، وبحث دائماً عن نقاط الالتقاء بدل تغذية أسباب الفرقة.
ومن بين المحطات المضيئة في مسيرته أيضاً مساهمته في تأسيس الجامعة الحرة للتعليم بطنجة، ذلك المشروع النقابي الذي جاء ليؤكد إيمانه العميق بأهمية الدفاع عن الأسرة التعليمية وعن حقوق نساء ورجال التعليم.
و كان يدرك أن بناء الأوطان يبدأ من المدرسة، وأن كرامة المدرس جزء من كرامة المجتمع كله ،ولذلك ساهم بكل ما أوتي من خبرة وتجربة في ترسيخ هذا الإطار النقابي والدفاع عن رسالته.
لقد تعلم عبد السلام النقاش من الحياة أن الرجال الحقيقيين لا يقاسون بعدد الكلمات التي يقولونها، بل بعدد المواقف التي يصمدون فيها ، وطوال مساره معروفاً بهدوئه واتزانه وبعد نظره..لا يتسرع في الأحكام، ولا ينجرف وراء الانفعالات العابرة، بل يفضل دائماً التأمل والحكمة ،ومن يعرفه عن قرب يدرك أنه من أولئك الرجال الذين يمنحهم الزمن سلطة معنوية لا تمنحها المناصب.
في شخصيته شيء من رجال الزمن الجميل،أولئك الذين كانوا يختلفون دون خصومة،ويناضلون دون ضجيج،ويخدمون الناس دون انتظار مقابل.يحمل من التواضع ما يجعله قريباً من الجميع، ومن الخبرة ما يجعله مرجعاً لكثير من الأجيال الاستقلالية التي جاءت بعده.
ولعل أجمل ما في مسيرة المناضل عبد السلام النقاش أنه ظل وفياً للمبادئ نفسها التي آمن بها منذ شبابه الأول،ولم تغيره المواقع،ولم تغره المناصب،ولم تدفعه التحولات المتلاحقة إلى التخلي عن قناعاته.ظل الاستقلالي نفسه الذي يرى في الحزب مدرسة وطنية كبرى،ويرى في خدمة الوطن شرفاً لا ينتهي بانتهاء المسؤوليات.
إن الحديث عن عبد السلام النقاش ليس مجرد حديث عن شخص،بل عن تجربة كاملة تختصر جزءا مهما من تاريخ العمل الحزبي والإداري والنقابي بمدينة طنجة ونواحيها.تجربة تؤكد أن الرجال الكبار لا يصنعهم المنصب،بل يصنعهم الصدق والإخلاص والاستمرارية.
وفي زمن أصبحت فيه الذاكرة قصيرة، يصبح من واجبنا أن نستحضر أمثال هؤلاء الرجال الذين حملوا المشعل في فترات مختلفة، وأسهموا في بناء التنظيم وتقوية حضوره وخدمة المواطنين بكل تفانٍ وتجرد.
إن الأخ عبد السلام النقاش يظل واحداً من تلك الأسماء الاستقلالية التي تستحق التقدير والاعتراف،ليس فقط لما تقلده من مسؤوليات،ولكن لما مثله من قيم…قيم الوفاء والالتزام والحكمة والعطاء الصامت.
وحين يكتب تاريخ حزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة، يبقى اسم عبد السلام النقاش حاضرا بين أولئك الرجال الذين لم يبحثوا عن المجد الشخصي،بل جعلوا خدمة الوطن والحزب والمواطن عنواناً لمسيرة طويلة من النضال والعطاء.
وللتذكير،فإن هذا البورتريه يندرج ضمن سلسلة توثيقية تروم التعريف بالمناضلات والمناضلين الذين ساهموا في إشعاع حزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة،وفاءً لمساراتهم وتقديراً لعطائهم المتواصل.




