بورتريهات
أخر الأخبار

عبد الجبار الرشيدي… حين يصبح النضال عصاميةً وكفاءةً وأصالة

محمد اليطفتي

في الحياة السياسية كما في الروايات الكبرى، هناك رجال لا يطرقون الأبواب بعنف، ولا يصنعون لأنفسهم ضجيجاً يسبق أسماءهم، لكنهم يصلون. يصلون لأنهم بنوا مساراتهم حجراً فوق حجر، وسنة فوق سنة، حتى يصبح حضورهم نتيجة طبيعية لتاريخ طويل من الاجتهاد والوفاء ومن هذا الصنف النادر من الرجال يبرز اسم الدكتور عبد الجبار الرشيدي.

ليس لأن القدر منحه امتيازاً خاصاً، ولا لأن الطريق فُرشت أمامه بالورود، بل لأنه اختار منذ البدايات أن يسلك الطريق الأصعب: طريق العصامية، وطريق الانتماء الحقيقي، وطريق الإيمان بأن السياسة أخلاق قبل أن تكون مواقع، وأن النضال تربية قبل أن يكون مسؤولية.

ولد عبد الجبار الرشيدي سنة 1968 بمدينة طنجة، المدينة التي تشبه البحر في اتساعها، وتشبه التاريخ في تعقيداته، وترعرع في بيئة شعبية وطنية صنعت وعيه الأول، قبل أن تبدأ رحلته الطويلة داخل المدرسة الاستقلالية.

في سنة 1990 حصل على شهادة البكالوريا من ثانوية ابن الخطيب بطنجة، لينتقل بعدها إلى العاصمة الرباط حيث تابع دراسته الجامعية بكلية الحقوق التابعة لجامعة محمد الخامس، قبل أن يلتحق بالمعهد العالي للإعلام والاتصال الذي تخرج منه سنة 1997 بدبلوم الدراسات العليا في الإعلام والاتصال بميزة مشرف جداً مع توصية بالنشر، عن أطروحته الموسومة: «المشاركة السياسية للرأي العام بالمغرب: حالة التناوب السياسي». وقد جمع بذلك بين التكوين القانوني والتخصص الإعلامي، وهي الثنائية التي ستطبع مساره المهني والسياسي لاحقاً.

ولأن المعرفة عنده لم تكن محطة عابرة، واصل تكوينه الأكاديمي وصقل تجربته الفكرية والعلمية، جامعاً بين التكوين الإعلامي والوعي القانوني، وهي الثنائية التي منحته لاحقاً قدرة استثنائية على التحليل والتواصل وإدارة النقاش العمومي.

لكن قصة عبد الجبار الرشيدي لا تبدأ من الشهادات، بل من الالتزام.
فكما تبدأ الأشجار العظيمة من بذور صغيرة، بدأت تجربته النضالية من منظمة الكشاف المغربي، حيث تعلم الانضباط وروح الجماعة، ثم من جمعية الشبيبة المدرسية، حيث تشكلت ملامح وعيه الوطني الأول، قبل أن يلتحق بمنظمة الشبيبة الاستقلالية التي وجد فيها فضاءً طبيعياً لصقل شخصيته السياسية.

وحين انتقل إلى الرباط لمتابعة دراسته، لم يغادره هاجس النضال، فالتحق بالاتحاد العام لطلبة المغرب، وتدرج في مسؤولياته حتى أصبح عضواً في مكتبه التنفيذي، كما تقلد مسؤوليات قيادية داخل المكتب التنفيذي لمنظمة الشبيبة الاستقلالية، ليؤكد منذ وقت مبكر أن حضوره لم يكن عابراً ولا موسمياً، بل كان مشروعاً متكاملاً من الالتزام والاستمرارية.

لقد كان من أولئك المناضلين الذين لا يكتفون برفع الشعارات، بل ينزلون بها إلى أرض الواقع.
وفي المجال الإعلامي، حيث تختلط الحقيقة أحياناً بالضجيج، استطاع عبد الجبار الرشيدي أن يفرض احترامه بكفاءته ورصانته. عمل صحافياً ومحللاً ومواكباً للشأن العام، وكان سنة 2001 مراسلاً لقناة السعودية، كما برز اسمه داخل المشهد الإعلامي الوطني باعتباره أحد الوجوه الاستقلالية القادرة على الدفاع عن مواقف الحزب بلغة هادئة وحجج قوية ومنطق متزن.

وكما سبق أن تولى مسؤولية رئيس جمعية خريجي المعهد العالي للصحافة والاتصال، فقد واصل حضوره الفاعل داخل النقابة الوطنية للصحافة المغربية، حيث ترك أثراً واضحاً في مسارها المهني، مؤكداً أن الانتماء إلى مهنة الصحافة لا يكتمل إلا بخدمة قضاياها والدفاع عن كرامة أهلها.

كان عبد الجبار الرشيدي يمثل ذلك النموذج الذي نفتقده كثيراً في زمن الاستعراض: رجل يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الإعلام رسالة، وأن الدفاع عن الرأي لا يكتمل إلا باحترام الرأي الآخر.
وفي مساره الإداري والسياسي، واصل الرجل صعوده الطبيعي.

اشتغل بديوان المرحوم الأخ محمد العربي المساري، أحد كبار رجالات الفكر والإعلام والسياسة بالمغرب، فنهل من تجربته وتعلم منه الكثير. ثم اشتغل بديوان الأخ محمد سعد العلمي، واكتسب خبرات إضافية في تدبير الشأن العام، قبل أن يتقلد مسؤولية مكلف بمهمة برئاسة الحكومة.

ولأن الكفاءة لا تضيع حين تكون مقرونة بالاجتهاد، واصل مساره حتى أصبح كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، حاملاً معه رصيد سنوات طويلة من التجربة الميدانية والإدارية والسياسية.
غير أن المناصب لم تغير الرجل.
ظل ذلك الطنجاوي الهادئ الذي يعرفه مناضلو الحزب، وظل ذلك الاستقلالي الذي يحمل في وجدانه تفاصيل الفروع والتنظيمات والمخيمات والجامعات والاجتماعات الحزبية، ويؤمن بأن قوة حزب الاستقلال كانت دائماً في مناضليه قبل مسؤوليه.

داخل الحزب، تقلد عضوية اللجنة التنفيذية لولايتين، وشغل مهمة المنسق الجهوي للحزب بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وساهم في تأطير أجيال من المناضلين، قبل أن يتولى رئاسة المجلس الوطني لحزب الاستقلال، المؤسسة التي تمثل برلمان الحزب وذاكرته التنظيمية والسياسية.
كما يشغل عضوية مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، مواصلاً حضوره في تدبير الشأن الترابي بنفس الروح التي ميزت مساره منذ بداياته.

إن الحديث عن عبد الجبار الرشيدي ليس حديثاً عن مسؤول حزبي أو حكومي فقط، بل عن قصة جيل كامل آمن بأن الارتقاء لا يكون بالقفز على المراحل، وإنما باحترامها.
جيل بدأ من الكشاف، وعبر الشبيبة، ومر من الجامعة، وخاض معارك الإعلام والعمل النقابي والسياسي، ثم وصل إلى مواقع القرار دون أن يقطع الخيط الذي يربطه بجذوره.

وفي زمن أصبحت فيه السياسة في نظر كثيرين طريقاً مختصراً نحو الامتيازات، يظل عبد الجبار الرشيدي شاهداً على إمكانية وجود مسار آخر؛ مسار قوامه العمل والكفاءة والوفاء والصبر.
ولهذا، فإننا حين نتحدث عنه، فإننا لا نحتفي بشخص فقط، بل نحتفي بقيمة.نحتفي بفكرة أن حزب الاستقلال ما يزال قادراً على إنتاج الكفاءات الوطنية الكبيرة.
نحتفي بقصة مناضل عصامي بدأ من القاعدة، وعبر كل درجات السلم التنظيمي، حتى أصبح واحداً من أبرز الوجوه السياسية والحزبية في المغرب.

ولعل ما يلفت الانتباه اليوم أن اسم عبد الجبار الرشيدي يحظى بتقدير واسع داخل الأوساط الاستقلالية وبين عدد من الفعاليات بمدينة طنجة، التي ترى فيه كفاءة سياسية وإدارية وإعلامية راكمت من الخبرة والتجربة ما يؤهله لتمثيل المدينة تحت قبة البرلمان متى اقتضت مصلحة الحزب والوطن ذلك، وهو تقدير لا ينبع من المجاملة بقدر ما يستند إلى مسار طويل من العمل الجاد والعطاء المتواصل.

ونحتفي، قبل كل شيء، برجل ظل وفياً للمسار الذي اختاره منذ شبابه، وظل يؤمن بأن خدمة الوطن ليست امتيازاً، بل تكليفاً.
ذلك هو عبد الجبار الرشيدي…
رجلٌ كلما ارتفع موقعه، ازداد التصاقاً بجذوره.
وكلما كبرت مسؤولياته، ازداد وفاءً لمدرسته الأولى:حزب الاستقلال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى