القائد الكشفي أحمد بوراس… حين يصبح التطوع قدرًا، ويغدو الوفاء للوطن أسلوب حياة.

بورتريهات استقلالية – الحلقة العشرون
هناك رجال لا يقيسون أعمارهم بعدد السنوات، بل بعدد الأيادي التي امتدت إليهم فوجدت العون، وبعدد الوجوه التي غادرتهم وهي تحمل شيئًا من الأمل. رجال لا يبحثون عن الضوء، لأنهم اختاروا منذ البداية أن يكونوا هم من يشعلون المصابيح في دروب الآخرين. والقائد أحمد بوراس واحد من هؤلاء الذين آمنوا بأن الإنسان لا يكتمل إلا حين يجعل من نفسه مشروعًا دائمًا لخدمة وطنه ومجتمعه.
ففي زمن أصبحت فيه المسؤوليات تُقاس بالمناصب، ظل أحمد بوراس يؤمن بأن القيمة الحقيقية للإنسان تُصنع في الميدان، وأن أعظم الألقاب هي تلك التي يمنحها الناس لمن يخدمهم بإخلاص،لا تلك التي تُكتب على الأوراق. لذلك ظل حضوره هادئًا، لكنه عميق الأثر، وبعيدًا عن الضجيج،لكنه قريب من كل مبادرة نبيلة.
كان عضوًا سابقًا بفرع حزب الاستقلال بالشرف،حيث تشكل وعيه السياسي داخل مدرسة وطنية عريقة، آمنت بأن النضال ليس شعارًا يرفع،وإنما التزام يومي بقضايا الوطن والمواطن.ومن خلال هذا الانتماء، أدرك أن حزب الاستقلال لم يكن يومًا مجرد تنظيم سياسي،بل فضاء لتربية الإنسان على قيم المسؤولية، والوفاء، والعمل الميداني.
غير أن رحلته لم تتوقف عند حدود الفعل الحزبي،بل امتدت إلى فضاءات أوسع،حيث وجد في منظمة الكشاف المغربي مدرسة ثانية لصناعة الإنسان.واليوم يشغل عضوية المجلس الوطني لمنظمة الكشاف المغربي،ويتحمل مسؤولية المندوب الإقليمي للمنظمة بطنجة،إلى جانب عضويته في الفرقة الوطنية لقسم الماهد بمنظمة الكشاف المغربي. وهي مسؤوليات لم تأت من فراغ،بل كانت ثمرة سنوات من التأطير، والتكوين، والعمل المتواصل مع الأجيال الصاعدة، إيمانًا منه بأن الاستثمار الحقيقي لأي وطن يبدأ ببناء الإنسان قبل بناء الحجر.
وفي العمل الكشفي، لا يرى أحمد بوراس مجرد أنشطة أو مخيمات أو برامج موسمية، بل يرى مدرسة للحياة، تُغرس فيها قيم الانضباط، وروح الجماعة، واحترام الآخر، والإيمان بأن المواطنة ممارسة يومية قبل أن تكون خطابًا سياسيًا أو قانونًا مكتوبًا.
ولأن الإنسان ابن بيئته وتاريخه، فقد كان عضوًا سابقًا بالمجلس الإداري لمرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة، مساهمًا في الدفاع عن البيئة وصيانة الذاكرة التاريخية للمدينة. فقد آمن دائمًا بأن المدن لا تحفظها البنايات وحدها، بل يحفظها رجال يقدرون قيمة تراثها، ويؤمنون بأن حماية المآثر التاريخية ليست دفاعًا عن الماضي، بل استثمار في المستقبل، حتى تبقى هوية طنجة حاضرة في وجدان الأجيال القادمة.
وفي الجانب الإنساني،يواصل رسالته بصفته الكاتب العام لجمعية الأيادي الطيبة للأشخاص في وضعية إعاقة،حيث يتحول العمل الجمعوي إلى رسالة أخلاقية قبل أن يكون نشاطًا مدنيًا. وهناك، لا تُقاس الإنجازات بعدد الأنشطة المنظمة، بل بعدد الابتسامات التي تُرسم على وجوه من يحتاجون إلى الدعم، وبعدد الأبواب التي تُفتح أمام من ظنوا أن الحياة أغلقت أبوابها في وجوههم.
كما كان عضوًا سابقًا بالمكتب الإقليمي للشبيبة الاستقلالية بطنجة، مساهمًا في تأطير الشباب، وإعداد أجيال جديدة تؤمن بأن السياسة ليست وسيلة لتحقيق المكاسب، وإنما أداة لخدمة المجتمع، وأن الشباب حين يُمنح الثقة والتوجيه السليم، يصبح قوة حقيقية في بناء الوطن.
إن المتأمل في مسار القائد أحمد بوراس يكتشف خيطًا ناظمًا يجمع كل هذه المحطات؛ خيطًا اسمه الوفاء. وفاء للحزب الذي انتمى إليه، ووفاء للحركة الكشفية التي صقلت شخصيته، ووفاء للعمل الجمعوي الذي منح وقته وجهده، ووفاء لمدينة طنجة التي ظل حاضرًا في مختلف المبادرات التي تخدمها وتحافظ على ذاكرتها.
لقد اختار أن يترك أثره في الناس قبل أن يترك اسمه في المناصب، وأن يبني الجسور بين المؤسسات والمجتمع، وأن يجعل من التطوع ثقافةً يومية، لا مناسبة عابرة. ولذلك ظل نموذجًا للمناضل الذي يعمل بصمت، ويؤمن بأن أعظم الإنجازات هي تلك التي تتحدث عنها الأفعال، لا الخطب.
تحية وفاء وتقدير للقائد أحمد بوراس، أحد الوجوه التي جمعت بين النضال الحزبي،والعمل الكشفي،والعطاء الجمعوي، والالتزام البيئي،فاستحق أن يكون من الرجال الذين تكتب سيرتهم بأفعالهم، وتخلدهم مواقفهم، ويبقى أثرهم حاضرًا في ذاكرة كل من عرفهم أو عمل إلى جانبهم.
محمد اليطفتي




