دنيا طراخي أنامل تخيط الأمل: عندما تسكب العزيمة نورا في حياة الآخرين

بورتريهات استقلالية – الحلقة الثانية و الستون
دنيا طراخي أنامل تخيط الأمل: عندما تسكب العزيمة نورا في حياة الآخرين
بين صرير آلة الخياطة، وحركة الإبرة وهي تعبر القماش ذهابا وإيابا، تولد كل يوم حكاية لا تشبه سواها؛ حكاية امرأة اختارت أن تجعل من أناملها طريقا إلى الكرامة، ومن إرادتها جسرا يعبر عليه الآخرون نحو الأمل.
إنها دنيا طراخي، المناضلة الاستقلالية والفاعلة الجمعوية المتميزة، التي لم تسمح يوما لظروفها البدنية، ولا لمحدودية إمكاناتها المادية، بأن ترسم لها حدودا أضيق من أحلامها. اختارت أن تنظر إلى الحياة من الجهة التي يضيئها الأمل، وأن تجعل مما قد يراه البعض عائقا، بداية لحكاية مختلفة عنوانها الإصرار.
بابتسامة تسبق كلماتها، وبنظرة تحمل كثيرا من الثقة وقليلا من الشكوى، تخوض دنيا معاركها اليومية في هدوء. تعمل، وتجتهد، وتقاوم تقلبات الحياة، لا لأنها لا تتعب، وإنما لأنها تعلم أن التعب الذي يصنع الكرامة أهون من الاستسلام الذي يطفئ الإنسان من الداخل.
في مشغلها الصغير، لا تتعامل دنيا مع الخيط والإبرة باعتبارهما مجرد أدوات لمهنة توفر لها قوت يومها؛ فكل قطعة قماش تمر بين يديها تحمل شيئا من قصتها. هناك، حيث يبدو المشهد بسيطا في ظاهره، تنسج المرأة استقلالها الاقتصادي بخيوط دقيقة، وتطرز في الوقت نفسه معنى أعمق للحياة: أن يستطيع الإنسان أن يصنع لنفسه مكانا رغم ضيق المساحات من حوله.
غير أن أجمل ما في حكاية دنيا يبدأ حين تغادر ساعات العمل، وتفتح قلبها لعمل آخر لا تقيسه بالمال ولا بعدد الساعات. فهي تنشط في جمعية الأيادي الطيبة للأشخاص في وضعية إعاقة، حيث يتحول انشغالها بذاتها إلى انشغال بالآخرين، ويتحول ما عاشته من صعوبات إلى حس إنساني يجعلها أكثر قربا من آلام من يحتاجون إلى من يفهمهم دون كثير من الشرح.
هناك، وسط الناس الذين اختارت أن تكون بينهم، لا تقف دنيا في موقع المتفرج؛ بل تنخرط، وتنصت، وتبادر، وتدافع، وتحاول أن تمد يدها حيث تستطيع. تعرف أن الأشخاص في وضعية إعاقة لا يحتاجون إلى الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى الاعتراف بحقهم في الكرامة والاندماج وتكافؤ الفرص، ولذلك جعلت من حضورها الجمعوي مساحة لفعل شيء، ولو كان بسيطا، بدل الاكتفاء بالكلام عن الأشياء.
وفي نضالها الاستقلالي، تحمل دنيا المعنى نفسه؛ نضال قريب من الناس، لا تصنعه الشعارات وحدها، وإنما تصنعه المواقف الصغيرة التي تكشف معدن الإنسان. فهي من أولئك الذين يؤمنون بأن الانتماء الحقيقي لا يقاس بكثرة الظهور، وإنما بما يتركه المرء من أثر في حياة من حوله.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال أيضا عن دنيا طراخي أنها امرأة عصامية لم تنتظر أن تصبح الحياة سهلة حتى تبدأ. بدأت بما تملك، ومن حيث هي، وبالإمكانات المتاحة أمامها. لم تنتظر ظروفا مثالية، ولا أبوابا مفتوحة على مصاريعها؛ صنعت من المتاح ممكنا، ومن القليل كثيرا، ومن التجربة الشخصية طاقة لخدمة الآخرين.
إنها تعرف، ربما أكثر من غيرها، أن بعض المعارك لا يراها أحد. معارك الإرهاق، وضيق ذات اليد، ونظرات المجتمع، وثقل الأيام، والخوف من الغد. لكنها اختارت ألا تجعل تلك المعارك سببا للانكفاء، بل مادة لبناء شخصية أكثر صلابة ورحمة.
وبين غرزة وأخرى، وبين قطعة قماش وأخرى، وبين يوم عمل شاق ومبادرة جمعوية، تقدم دنيا درسا بليغا في معنى العطاء: ليس ضروريا أن تملك الكثير حتى تمنح الكثير، وليس ضروريا أن تكون حياتك خالية من الألم حتى تصبح سببا في تخفيف آلام الآخرين.
فالعطاء الحقيقي لا يبدأ من فائض المال، وإنما من فائض القلب.
ودنيا طراخي، بهذه الروح، تكتب سطرا خاصا في دفتر النضال الاستقلالي والجمعوي؛ سطرا عنوانه أن الإنسان يستطيع أن يحول هشاشته إلى قوة، وتجربته إلى رسالة، ومهنته البسيطة إلى وسيلة للعيش بكرامة، وإرادته إلى نافذة يطل منها الآخرون على شيء من الضوء.
إنها واحدة من تلك الوجوه التي لا تحتاج إلى كثير من الضجيج كي تُرى؛ يكفي أن تقترب من حكايتها لتكتشف أن وراء تلك الابتسامة امرأة تقاوم، ووراء آلة الخياطة قلبا يخيط الأمل، ووراء كل مبادرة إنسانية إرادة تقول للحياة، بصمت وثبات: قد لا أملك كل شيء، لكنني أملك ما يكفي لأصنع شيئا جميلا للآخرين.
محمد اليطفتي




