بورتريهات

نور الدين الشنكاشي… حين تتحول السياسة إلى سلوك أخلاقي

محمد اليطفتي

في سياق ترسيخ ثقافة الاعتراف داخل حزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة، وتثمين الكفاءات والمناضلات والمناضلين الذين بصموا حضورهم في العمل الحزبي والتدبيري والمجتمعي، يأتي هذا البورتريه ضمن سلسلة توثيقية تُعنى بإبراز المسارات الإنسانية والسياسية لعدد من الوجوه الاستقلالية التي اختارت أن تجعل من الالتزام أسلوب حياة، لا مجرد موقع أو صفة.
إنها سلسلة لا تبحث عن الضوء بقدر ما تبحث عن الحقيقة؛ حقيقة الرجال الذين يصنعون أثرهم في الصمت أكثر مما يصنعونه في الضجيج، ويتركون بصمتهم في الميدان قبل أن تُسجل في الخطابات.

وفي افتتاح هذه السلسلة، نقف عند تجربة أحد الأسماء التي راكمت حضوراً هادئاً لكن ثابتاً في المشهد الاستقلالي المحلي، ويتعلق الأمر بـ نور الدين الشنكاشي، الذي يمثل نموذجاً لالتقاء الكفاءة المهنية بالالتزام الحزبي والرصانة الأخلاقية.
نور الدين الشنكاشي… حين تتحول السياسة إلى أخلاق

في زمن تتداخل فيه الأصوات وتختلط فيه الأحكام، وتختزل فيه المسارات أحياناً في انطباعات عابرة أو مواقف مجتزأة من سياقها، تبرز شخصيات لا تحتاج إلى كثير تبرير، لأن حضورها اليومي هو الشهادة الأصدق عليها، وسلوكها العملي هو الحجة الأقوى في الدفاع عنها.

ومن خلال محطات متعددة من العمل التنظيمي والميداني، يبرز اسم نور الدين الشنكاشي باعتباره واحداً من تلك الوجوه التي لا تصنع حضورها بالصخب، بل بالاتزان، ولا تفرض نفسها بالشعارات، بل بالفعل الهادئ والمسؤول.
لقد علمتنا التجربة السياسية أن المناصب لا تصنع القيمة، وأن الألقاب لا تكفي لبناء المكانة، بل إن القيمة الحقيقية تنبع من معدن الإنسان، من طريقة تعامله مع الناس، ومن قدرته على الجمع بين المسؤولية والتواضع دون تناقض.

ومن هذا المنطلق، يظهر الشنكاشي كشخصية راكمت عبر التجربة حضوراً يقوم على الثبات والالتزام، حيث لا يختلف أسلوبه في التعامل بين موقع وآخر، ولا بين اختلاف الرأي أو اتفاقه، بل يظل معيار الاحترام هو القاعدة الثابتة في علاقته بالآخرين.
التواضع لديه ليس سلوكاً ظرفياً، ولا واجهة اجتماعية مرتبطة بالموقع، بل هو جزء من بنية شخصية تشكلت عبر التجربة والاحتكاك اليومي بالناس، وهو ما يجعل حضوره طبيعياً وغير متكلف، قريباً دون تصنع.

على المستوى التنظيمي، يُنظر إليه باعتباره فاعلاً عملياً يشتغل بمنطق الحلول لا تعقيد الإشكالات، وبروح المبادرة لا الانتظار. فهو من الأشخاص الذين يفضلون الاشتغال في صمت حين تتعقد الظروف، ويبحثون عن المخارج الممكنة بدل الاكتفاء بتشخيص الصعوبات.

وقد عزز هذا المسار قناعة راسخة لديه بأن العمل السياسي ليس مجالاً للمنافسة الشخصية، بقدر ما هو فضاء لخدمة الصالح العام، وهي القناعة التي يلتقي فيها مع التوجه العام الذي ما فتئ يؤكد عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في ما يتعلق بأهمية تجديد النخب، وإشراك الكفاءات الشابة في تدبير الشأن العام، باعتبارها رافعة أساسية لمغرب المستقبل.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة مسار الشنكاشي كترجمة عملية لفكرة الانخراط الواعي في الشأن العام، حيث اختار أن يكون فاعلاً داخل المجال بدل الاكتفاء بمراقبته من بعيد، ومشاركاً في البناء بدل الوقوف على الهامش.
إن ما يختصر هذا المسار ليس المنصب، ولا الصفة، ولا المهام التدبيرية، بل ذلك التوازن الدقيق بين الكفاءة المهنية والالتزام الأخلاقي، وبين الانتماء الحزبي الصادق والحرص الدائم على القرب من هموم المواطنين وانتظاراتهم.

وفي المحصلة، لا يقدم هذا البورتريه شهادة عابرة في حق مسؤول، بقدر ما يقدم ملامح تجربة لرجل اختار أن يجعل من السياسة فعلاً يومياً للإنصات والعمل، لا مناسبة للظهور. لذلك ظل حضوره مرتبطاً بالثقة التي يتركها في محيطه، وبالأثر الذي يخلقه في علاقاته، أكثر من ارتباطه بالموقع الذي يشغله.

وهكذا، تتجدد الإشارة إلى أن قيمة الرجال تقاس بما يتركونه من أثر، لا بما يحملونه من ألقاب، وأن بعض المسارات تُفهم أفضل حين تُقرأ في سلوك أصحابها قبل أن تُقرأ في عناوينهم.
وتلك هي ملامح نور الدين الشنكاشي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى