بورتريهات استقلالية – الحلقة الثانية والعشرون الأخت حنان المرنيسي…

بورتريهات استقلالية – الحلقة الثانية والعشرون
الأخت حنان المرنيسي…
حين تتحول السياسة إلى ضمير، ويصبح القرب من الإنسان أسمى أشكال المسؤولية
ليست السياسة في جوهرها مقاعد تُحتل، ولا ألقابًا تُسبق بها الأسماء، ولا صورًا تُلتقط في المناسبات. السياسة، في معناها العميق، هي ذلك الامتحان اليومي الذي يخوضه الإنسان بين ما يستطيع أن يفعله لنفسه، وما يختار أن يفعله للآخرين. وهي القدرة على أن يظل القلب حيًا وسط عالم يميل إلى الأرقام أكثر مما يميل إلى البشر، وإلى المصالح أكثر مما يميل إلى المبادئ.
وفي مدرسة حزب الاستقلال، حيث ارتبط العمل السياسي منذ نشأته بفكرة خدمة الوطن والإنسان، لا يُقاس المناضل بعدد السنوات التي قضاها في المسؤولية، وإنما بمقدار ما تركه من أثر في حياة الناس، وبحجم الثقة التي استطاع أن يبنيها بينهم. ومن هذه المدرسة الوطنية تبرز الأخت حنان المرنيسي، باعتبارها واحدة من الوجوه النسائية التي آمنت بأن المسؤولية ليست امتيازًا، وإنما تكليف أخلاقي، وأن المنتخب الحقيقي هو الذي يحمل هموم المواطنين قبل أن يحمل صفته الانتدابية.
تشغل الأخت حنان المرنيسي مهمة النائبة الرابعة لرئيس مجلس مقاطعة طنجة المدينة، مكلفة بقطاعات الثقافة والرياضة والشؤون الاجتماعية والعلاقات مع المجتمع المدني، وهي مسؤوليات تبدو في ظاهرها قطاعات إدارية، لكنها في حقيقتها تمس تفاصيل الحياة اليومية للإنسان، وتلامس احتياجاته في الثقافة والتأطير، وفي الإدماج الاجتماعي، وفي بناء فضاءات الأمل للأجيال الصاعدة.
وقد استطاعت، من خلال هذه المسؤولية، أن تجعل من القرب فلسفة في العمل، وأن تؤمن بأن الإنصات للمواطن ليس مجاملة سياسية، بل هو أول خطوة نحو بناء القرار السليم. فالمدينة لا تُدار من خلف المكاتب وحدها، وإنما تُفهم من خلال شوارعها، وأحيائها، وجمعياتها، وأصوات نسائها وشبابها، ومن خلال الإصغاء إلى البسطاء الذين لا يملكون سوى الثقة في من يمثلهم.
ولأن الإنسان يبقى محور كل تنمية حقيقية، لم يقتصر عطاؤها على العمل المؤسساتي، بل امتد إلى المجال الجمعوي، حيث تشغل مهمة نائبة رئيس جمعية الرازي لدعم ومصاحبة الأشخاص ذوي القصور العقلي بطنجة. وهناك، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة، يتجلى وجه آخر من شخصيتها؛ وجه يؤمن بأن المجتمع لا يُقاس بقوة اقتصاده فقط، وإنما بقدرته على احتضان أفراده الأكثر هشاشة، وصون كرامتهم، وتمكينهم من حقوقهم كاملة غير منقوصة.
لقد ساهمت في الإشراف على برامج اجتماعية وإنسانية استهدفت الأشخاص في وضعية إعاقة، وعملت على تطوير الشراكات مع المؤسسات والفاعلين، إدراكًا منها أن العمل الاجتماعي لا يمكن أن ينجح إلا حين يصبح مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمجتمع المدني والمنتخبون، وأن التضامن ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تحتاج إلى الصدقية والاستمرارية.
وخلال مسارها السياسي والجمعوي، راكمت الأخت حنان المرنيسي تجربة متميزة في تدبير الشأن المحلي، وفي التواصل مع الساكنة، وفي الترافع عن قضايا المواطنين، واضعة نصب عينيها أن المسؤولية لا تُختزل في تدبير الملفات، وإنما في القدرة على تحويل مطالب الناس إلى مشاريع، وتطلعاتهم إلى برامج، وآمالهم إلى مبادرات ملموسة تعود بالنفع على المجتمع.
ولعل من أبرز ما يميز تجربتها، إيمانها العميق بدور المرأة المغربية في صناعة القرار. فهي تنظر إلى حضور المرأة داخل المؤسسات المنتخبة باعتباره استحقاقًا ديمقراطيًا، ومسؤولية وطنية، وفرصة لإغناء العمل العمومي برؤية أكثر قربًا من قضايا الأسرة والمجتمع والتنمية. ولذلك ظل تمكين المرأة أحد المحاور الأساسية في اهتمامها، ليس باعتباره مطلبًا فئويًا، وإنما باعتباره ركيزة من ركائز بناء مجتمع متوازن وعادل.
كما أولت اهتمامًا خاصًا بالثقافة والرياضة، إيمانًا منها بأنهما ليسا مجرد أنشطة موازية، بل وسيلتان لصناعة الإنسان، وتحصين الشباب، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء. فالثقافة تصنع الوعي، والرياضة تصنع الانضباط، والعمل الاجتماعي يصنع التضامن، وكلها روافد أساسية لأي مشروع تنموي ناجح.
وتتميز الأخت حنان المرنيسي بقدرتها على بناء جسور التواصل مع مختلف الفاعلين، وإدارة الحوار، ونسج الشراكات، وإعداد وتتبع المبادرات التنموية، وهي كفاءات راكمتها عبر سنوات من العمل الميداني، حيث تعلمت أن النجاح لا يتحقق بالقرارات الفردية، وإنما بروح الفريق، وبالإيمان بأن التنمية مسؤولية مشتركة.
ولعل أكثر ما يمنح مسيرتها خصوصيتها هو انسجام القول مع الفعل؛ فهي لا تنظر إلى العمل السياسي باعتباره موسمًا انتخابيًا، بل تعتبره التزامًا دائمًا تجاه الوطن والمواطن. لذلك ظلت حاضرة في المبادرات الاجتماعية والثقافية، قريبة من الجمعيات، ومنصتة لانشغالات الساكنة، مدركة أن الثقة لا تُمنح مرة واحدة، وإنما تُبنى كل يوم عبر الصدق والوفاء والالتزام.
ومن هذا المنطلق، تؤمن الأخت حنان المرنيسي بأن العمل السياسي رسالة وطنية قبل أن يكون ممارسة مؤسساتية، وأن الدفاع عن العدالة المجالية، وخدمة الفئات الهشة، وترسيخ الحكامة الجيدة، وتعزيز المشاركة المواطنة، هي قيم لا تنفصل عن المرجعية الوطنية لحزب الاستقلال، الذي ظل مدرسة في الوطنية والإصلاح، ومشتلًا للكفاءات المؤمنة بخدمة الصالح العام.
إنها شخصية اختارت أن يكون حضورها هادئًا، وأن تتحدث أعمالها أكثر مما تتحدث الكلمات. تؤمن بأن أثر الإنسان هو ما يبقى بعد انتهاء المسؤوليات، وأن المناصب زائلة، أما خدمة الناس فتبقى رصيدًا أخلاقيًا ووطنيًا لا ينضب.
وفي زمن أصبح فيه الضجيج يسبق الإنجاز، تظل الأخت حنان المرنيسي مثالًا للمناضلة التي اختارت أن تجعل من العمل الصامت عنوانًا، ومن المسؤولية التزامًا، ومن خدمة المواطن منهجًا، ومن الوفاء للوطن عقيدة لا تتغير.
ولذلك، فإن مسيرتها ليست مجرد تجربة انتدابية أو جمعوية، بل هي امتداد لفكرة استقلالية أصيلة، ترى في الإنسان غاية كل السياسات، وفي الوطن البوصلة التي لا تحيد، وفي خدمة المواطن أسمى أشكال الانتماء.
“خدمة المواطن، والوفاء للوطن، والعمل الجاد من أجل تنمية عادلة وشاملة.” لم يكن بالنسبة للأخت حنان المرنيسي شعارًا يردد في المناسبات، بل ميثاقًا أخلاقيًا اختارت أن تترجمه في كل مسؤولية تحملتها، وفي كل مبادرة ساهمت فيها، وفي كل خطوة خطتها في سبيل خدمة مدينتها ووطنها.
محمد اليطفتي




