بورتريهات

فاطمة الزهراء باعمراني… حين يصبح الوفاء موقفاً، ويغدو النضال أسلوب حياة

محمد اليطفتي

في الحياة الحزبية، كما في الحياة نفسها، تمر أسماء كثيرة، بعضها يلمع للحظة ثم ينطفئ، وبعضها يظل ثابتاً كنجمة تهتدي بها الأجيال مهما تعاقبت الفصول وتبدلت الوجوه. وبين هؤلاء القلائل الذين اختاروا أن يتركوا أثرهم في النفوس قبل أن يتركوه في السجلات، تبرز المناضلة الاستقلالية فاطمة الزهراء باعمراني، واحدة من تلك الشخصيات التي يصعب اختزالها في صفة أو منصب أو محطة تنظيمية عابرة.

في طنجة، المدينة التي تعشق البحر وتعرف جيداً معنى الصمود في وجه الرياح، ارتبط اسم فاطمة الزهراء باعمراني بتاريخ طويل من الالتزام والوفاء داخل صفوف حزب الاستقلال. مسيرة طويلة من النضال المتواصل، لم تكن خلالها مجرد عضوة في تنظيم سياسي، بل كانت روحاً حاضرة في تفاصيل العمل الحزبي اليومي، ووجهاً مألوفاً في كل محطة نضالية، وصوتاً هادئاً يحمل في أعماقه إيماناً عميقاً بقيم الحزب ورسالة الحركة الوطنية.

هناك أشخاص يصنعون حضورهم بالكلمات، وهناك من يصنعونه بالأفعال. وفاطمة الزهراء باعمراني اختارت دائماً الطريق الأصعب؛ طريق العمل الصامت، ذلك العمل الذي لا يبحث عن التصفيق ولا ينتظر الأضواء. كانت تدرك أن النضال الحقيقي لا يقاس بعدد الصور المنشورة ولا بحجم الظهور الإعلامي، بل بما يتركه الإنسان من أثر في محيطه، وبما يقدمه من خدمة لقضايا الوطن والمواطنين.

من يعرفها عن قرب، يدرك أنه أمام شخصية استثنائية جمعت بين الصلابة والطيبة، بين الحزم والتواضع، بين الإيمان العميق بالمبادئ والانفتاح على الجميع. امرأة تحمل في داخلها هدوء الواثقين، وصبر الذين تعلموا أن الطريق إلى الإنجاز لا يُختصر، وأن البناء الحقيقي يحتاج إلى زمن وإلى إخلاص لا يتزعزع.
لقد وقفت فاطمة الزهراء باعمراني على خشبة النضال سنوات طويلة، لا لتؤدي دوراً عابراً، بل لتكتب فصولاً من الالتزام الصادق. انتزعت احترام رفاقها ومحبة من عرفوها لأنها لم تكن يوماً باحثة عن امتياز أو مكسب شخصي، بل كانت دائماً منحازة إلى الواجب، مؤمنة بأن قيمة الإنسان فيما يعطيه لا فيما يأخذه.
وفي زمن أصبح فيه كثيرون يلهثون خلف الظهور، ظلت هي وفية لمدرسة المناضلين الكبار الذين يتركون أعمالهم تتحدث عنهم. لذلك استحقت أن تصبح رمزاً من رموز المرأة الاستقلالية بطنجة، وأيقونة من أيقونات الحزب التي اقترن اسمها بالعطاء والتضحية والوفاء التنظيمي.

عرفت مسيرتها محطات تنظيمية ونقابية متعددة، حيث تحملت مسؤولية كاتبة منظمة المرأة الاستقلالية بطنجة سابقاً، وكانت عضوة بالمجلس الوطني للمرأة سابقاً، كما ساهمت من خلال نقابة الصحة التابعة للاتحاد العام للشغالين بالمغرب في الدفاع عن قضايا الشغيلة الصحية، وشغلت كذلك عضوية المكتب الإقليمي لحزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة سابقاً، إضافة إلى عضويتها في مكتب فرع الحزب بطنجة المدينة. غير أن قيمة هذه المحطات لا تكمن في ألقابها التنظيمية، وإنما في ما حملته من عمل ميداني صادق وحضور دائم إلى جانب المناضلين والمناضلات.

ولعل أجمل ما يميز فاطمة الزهراء باعمراني أنها لم تفقد يوماً قدرتها على التفاؤل. تسبقها ابتسامتها قبل كلماتها، وتمنح من حولها شعوراً بأن الأمل ما زال ممكناً مهما اشتدت الصعاب. إنها تلك الشخصية الاجتماعية القريبة من الجميع، التي تجعل من التواصل جسراً ومن الاحترام لغة ومن الأخلاق منهجاً.
لقد آمنت دائماً بأن المرأة ليست مجرد شريك في العمل السياسي، بل قوة أساسية في صناعة التغيير. لذلك شكل حضورها نموذجاً للمرأة المناضلة التي تنخرط في الشأن العام بإرادة حرة وعزيمة راسخة، وتدافع عن قيم العدالة والمساواة والكرامة بروح وطنية صادقة.

إن الحديث عن فاطمة الزهراء باعمراني ليس حديثاً عن شخص فحسب، بل عن جيل كامل من المناضلات اللواتي حملن مشعل الوفاء في أصعب الظروف، وآمنّ بأن خدمة الوطن لا تحتاج إلى ضجيج بقدر ما تحتاج إلى صدق واستمرار.

وفي زمن تتغير فيه المواقع بسرعة، تبقى بعض الأسماء ثابتة في الذاكرة الجماعية للحزب، لأنها لم ترتبط بمنصب أو ظرف أو مرحلة، بل ارتبطت بقيمة إنسانية ونضالية راسخة. ومن بين هذه الأسماء، تظل فاطمة الزهراء باعمراني واحدة من الوجوه التي تستحق منا كل التقدير والاعتزاز، باعتبارها رمزاً من رموز المرأة الاستقلالية بطنجة، وأحد النماذج التي تؤكد أن الوفاء للفكرة والمبدأ ما زال ممكناً، وأن النضال الصادق لا يشيخ مهما مرت السنوات.

لها منا ألف تحية، وألف احترام، وألف تقدير… لأنها كانت وما تزال مدرسة في الالتزام، وعنواناً للوفاء، وصورة مشرقة للمناضلة الاستقلالية التي أعطت الكثير دون أن تنتظر مقابلاً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى