بورتريهات

القائد الكشفي محمد الكداري…رجلٌ يمرّ في التنظيم بصمت،ويترك في التاريخ أثرًا لا يزول

بورتريهات استقلالية – الحلقة السادسة والثلاثون

القائد  الكشفي محمد الكداري… رجلٌ يمرّ في التنظيم بصمت، ويترك في التاريخ أثرًا لا يزول

هناك رجال لا تصنعهم الألقاب، ولا تُعرّفهم المناصب، لأن قيمتهم الحقيقية تكمن في ذلك الرصيد الإنساني والتنظيمي الذي راكموه عبر سنوات طويلة من العطاء. رجالٌ اختاروا أن يكونوا جنودًا أوفياء للفكرة قبل الموقع، وللمبدأ قبل المصلحة، فصار حضورهم جزءًا من ذاكرة الحزب، وصارت سيرتهم تُروى كلما ذُكر الوفاء والثبات والاستقامة.
ومن بين هؤلاء المناضلين، يبرز اسم القائد الكشفي محمد الكداري، أحد قيدومي النضال بصفوف حزب الاستقلال، وواحد من أبناء المدرسة الاستقلالية الذين آمنوا بأن الانتماء ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما عهدٌ يلازم الإنسان في مختلف مراحل حياته، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مسؤولية تنظيمية.
لم يكن مسار القائد محمد الكداري وليد الصدفة، بل هو ثمرة سنوات طويلة من التربية على الانضباط، والعمل الميداني، والإيمان بأن خدمة الوطن تبدأ من خدمة الإنسان.
لذلك لم يكن غريبًا أن يقضي أزيد من خمسة وثلاثين سنة في العمل الكشفي، وهي تجربة صنعت فيه روح القيادة، ورسخت لديه ثقافة التطوع، وأكسبته قدرة نادرة على تأطير الناشئة، وغرس قيم المواطنة والالتزام والعطاء في نفوس أجيال متعاقبة.
فالعمل الكشفي بالنسبة إليه لم يكن نشاطًا عابرًا، بل كان مدرسة متكاملة في صناعة الرجال، ومنبرًا لترسيخ معاني المسؤولية، ومختبرًا حقيقيًا لبناء الشخصية الوطنية المؤمنة بخدمة المجتمع بعيدًا عن كل حساب ضيق.
وفي منظمة الشبيبة الاستقلالية، ترك القائد محمد الكداري بصمة واضحة امتدت عبر سنوات من البذل والتأطير. فقد انتخب عضوًا بالمجلس الوطني للشبيبة الاستقلالية لولايتين، وأسهم من خلال هذه المسؤولية في مناقشة القضايا التنظيمية والفكرية التي شكلت محطات مفصلية في تاريخ المنظمة، كما كان عضوًا باللجنة المركزية للشبيبة الاستقلالية، وهي محطة جسدت الثقة التي حظي بها بين رفاقه، لما عرف عنه من رصانة في الرأي، وهدوء في النقاش، وإخلاص في الأداء.
ولم تتوقف مساهمته عند هذا الحد، بل تحمل مسؤولية عضو المكتب الإقليمي للشبيبة الاستقلالية لثلاث ولايات متتالية، في تجربة تعكس حجم الثقة التي نالها داخل التنظيم، كما تعكس استمرارية عطائه، وإيمانه بأن تأطير الشباب هو الضمان الحقيقي لاستمرار المشروع الوطني الذي حمل لواءه حزب الاستقلال منذ تأسيسه.
وعندما انتقل إلى تحمل المسؤوليات الحزبية المباشرة، كان همه الأول هو تقوية التنظيم، والاقتراب من المناضلين، وتحصين الفعل السياسي بالأخلاق والعمل الجاد. فتولى مسؤولية كاتب فرع حزب الاستقلال ببني مكادة، وهي مرحلة عرفت دينامية تنظيمية وحضورًا ميدانيًا متواصلاً، ظل خلالها قريبًا من هموم المواطنين، ومنشغلاً بتقوية إشعاع الحزب داخل الأحياء الشعبية، مؤمنًا بأن التنظيم الحزبي الحقيقي يُبنى بالإنصات، وبالعمل اليومي، وبالاحتكاك المباشر مع الناس.
وإلى جانب العمل السياسي، ظل القائد الكشفي محمد الكداري حاضرًا بقوة في الساحة النقابية، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للدفاع عن الكرامة الإنسانية وحقوق الشغيلة.
فتولى مسؤولية كاتب فرع جمعية الشبيبة الشغيلة لولايتين، كما انتخب كاتبًا لنقابة موظفي الجماعة الحضرية، واضعًا خبرته وتجربته في خدمة الموظفين، ومدافعًا عن حقوقهم المشروعة بروح الحوار والمسؤولية.
كما انتخب عضوًا بالمكتب الإقليمي للاتحاد العام للشغالين بالمغرب لولايتين، حيث ساهم في تأطير العمل النقابي، وتعزيز حضوره داخل المؤسسات، وظل مؤمنًا بأن النقابة ليست فضاءً للصراع، وإنما إطار للدفاع المسؤول عن الحقوق، وترسيخ ثقافة الواجب إلى جانب المطالبة بالمكتسبات.
وامتد عطاؤه كذلك إلى العمل الجمعوي، من خلال عضويته بجمعية موظفي وأعوان الجماعة الحضرية بطنجة، حيث ساهم في دعم المبادرات الاجتماعية، وتعزيز روح التضامن بين الموظفين، إيمانًا منه بأن المؤسسة الناجحة هي التي تجمع بين الكفاءة المهنية والتماسك الإنساني.
وعلى المستوى التنظيمي المحلي، تحمل مسؤولية رئيس خلية حزب الاستقلال ببوخالف، وظل قريبًا من المناضلين، حريصًا على تأطيرهم، ونقل تجربته إلى الأجيال الجديدة، مؤمنًا بأن الأحزاب القوية لا تُبنى بالخطب الرنانة، وإنما بتراكم العمل اليومي، وبالرجال الذين يشتغلون في صمت، ويتركون النتائج تتحدث عنهم.
لقد اختار القائد الكشفي محمد الكداري، منذ بداياته، أن يكون وفيًا للمبادئ التي تربى عليها داخل المدرسة الاستقلالية؛ مدرسة الوطنية الصادقة، والعمل الجاد، والالتزام الأخلاقي، والإيمان بأن الحزب ليس محطة عابرة في حياة المناضل، بل هو مشروع عمر، ومسؤولية مستمرة تجاه الوطن والمجتمع.
وربما لهذا السبب، ظل اسمه حاضرًا باحترام في ذاكرة كل من اشتغل معه أو عرفه عن قرب، رجلٌ لا يبحث عن الأضواء، ولا يلهث وراء المناصب، بل يكتفي بأن يؤدي واجبه بإخلاص، تاركًا للأيام أن تشهد على صدق مسيرته، وللتاريخ أن يحفظ ما قدمه من عطاء.
تحية وفاء وتقدير للقائد الكشفي محمد الكداري، أحد رجالات حزب الاستقلال الذين أثبتوا، عبر عقود من العمل الكشفي والحزبي والنقابي والجمعوي، أن النضال الحقيقي لا يُقاس بعدد المسؤوليات التي يتقلدها الإنسان، بل بعمق الأثر الذي يتركه في النفوس، وبالقيم التي يغرسها في الأجيال، وبالإخلاص الذي يظل عنوانًا لمسيرته حتى آخر الطريق.

محمد اليطفتي

https://istiqlaltanger.com/?p=2084

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى