عبد السلام الشعباوي.. حين تتحول الحكمة إلى سيرة نضال

بورتريهات استقلالية – الحلقة الثالثة
عبد السلام الشعباوي.. حين تتحول الحكمة إلى سيرة نضال
ثمة رجال لا تصنعهم المناصب، لأنهم كانوا أكبر من المناصب قبل أن تعرفهم المناصب. رجال يشبهون الأشجار العتيقة التي لا يلتفت الناس إلى عمرها إلا حين يدركون أن ظلالها كانت تحميهم منذ زمن بعيد. ومن بين هؤلاء يبرز الأخ عبد السلام الشعباوي، واحد من الوجوه الاستقلالية التي اختارت أن تجعل من الوفاء منهجاً، ومن الحكمة أسلوب حياة، ومن النضال اليومي رسالة لا تنتهي.
في عالم السياسة والنقابة والإعلام، كثيرون يعبرون المشهد تاركين وراءهم ضجيجاً عابراً، لكن قلة قليلة فقط تترك أثراً هادئاً وعميقاً يشبه أثر الماء في الصخر. وعبد السلام الشعباوي من هؤلاء الذين لا يحتاجون إلى رفع أصواتهم كي يُسمعوا، ولا إلى استعراض تجاربهم كي تُحترم مسيرتهم. فالرجل يحمل في شخصيته ذلك المزيج النادر بين الرزانة والتواضع، بين قوة الموقف ولطف العبارة، وبين صلابة المناضل وحكمة المجرب.
حين تتأمل مساره، لا تجد مجرد اسم ارتبط بحزب الاستقلال، بل تجد صفحة كاملة من صفحات الوفاء لهذا التنظيم الوطني العريق. فهو من قدماء الاستقلاليين الذين ظلوا أوفياء للفكرة حين كانت صعبة، ومتمسكين بالمبدأ حين كانت المغريات كثيرة. لم يكن انتماؤه يوماً انتماء ظرف أو مصلحة، بل انتماء رجل آمن بأن الوطنية ليست شعاراً يرفع، بل التزام يومي يترجم في المواقف والسلوك.
وفي الساحة النقابية، كان للأخ عبد السلام الشعباوي حضور خاص ومتميز داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب. هناك، حيث تختلط معاناة العمال بآمالهم، وحيث تتحول المطالب الاجتماعية إلى معارك يومية من أجل الكرامة والعدالة، ظل الرجل وفياً لرسالته النقابية، مدافعاً عن حقوق الشغيلة، مؤمناً بأن قيمة العمل النقابي لا تقاس بعدد الشعارات المرفوعة، بل بمدى القدرة على خدمة الإنسان والدفاع عن كرامته.
ولأن النضال الحقيقي لا يعترف بالحدود الضيقة، فقد جمع الرجل بين العمل النقابي والعمل الإعلامي. ومنذ سنوات طويلة، ظل اسمه حاضراً ضمن قيدومي الصحفيين المهنيين بمدينة طنجة. مارس الصحافة لا باعتبارها مهنة فقط، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية ورسالة تنوير. كان يدرك أن الكلمة قد تبني وعياً كما قد تهدمه، ولذلك ظل منحازاً إلى الكلمة الرصينة، الصادقة، المسؤولة.
لقد تعلم من الحياة ما يجعل الإنسان أكثر هدوءاً كلما ازداد فهماً لها. ولهذا لا يعرف عنه التسرع في الأحكام، ولا الانجراف وراء الانفعالات العابرة. ينصت كثيراً، ويتحدث حين يكون للكلام معنى، ويختلف دون أن يخاصم، وينتقد دون أن يجرح. وهي خصال أصبحت نادرة في زمن السرعة والضجيج.
من يعرف عبد السلام الشعباوي عن قرب، يدرك أن الحكمة ليست عنده مجرد صفة عابرة، بل جزء أصيل من تكوينه الإنساني. فهو من أولئك الذين يمنحهم الزمن قدرة خاصة على قراءة الأشخاص والأحداث، وعلى التمييز بين ما هو عابر وما هو جوهري. ولذلك ظل مرجعاً للكثير من المناضلين، وموضع احترام وتقدير لدى أجيال مختلفة داخل الحزب وخارجه.
ولعل أجمل ما في مسيرته أنه لم يسمح للسنوات الطويلة أن تُطفئ جذوة الإيمان التي حملها منذ بداياته الأولى. فما زال يحتفظ بالحماس نفسه تجاه قضايا الوطن، وبالوفاء نفسه تجاه الحزب، وبالاحترام نفسه تجاه رفاق الدرب. وكأن الزمن، بدل أن يرهقه، منحه مزيداً من النضج والاتزان.
إن الحديث عن عبد السلام الشعباوي ليس حديثاً عن شخص فقط، بل عن جيل كامل من الرجال الذين آمنوا بأن النضال قيمة أخلاقية قبل أن يكون موقعاً تنظيمياً، وأن خدمة الوطن لا تحتاج دائماً إلى الأضواء، بل تحتاج إلى رجال يواصلون العطاء بصمت وإخلاص.
وفي زمن تتبدل فيه المواقف بسرعة، وتختلط فيه الحسابات بالمبادئ، يبقى عبد السلام الشعباوي نموذجاً للاستقلالي الأصيل، والنقابي الملتزم، والصحفي المهني، والإنسان الذي اجتمعت فيه الحكمة والرزانة والوفاء.
إنه واحد من أولئك الرجال الذين لا يُقاس حضورهم بما يشغلونه من مواقع، بل بما يتركونه من أثر في النفوس. وحين يُكتب تاريخ النضال الحزبي والنقابي والإعلامي بمدينة طنجة، سيظل اسم عبد السلام الشعباوي حاضراً باعتباره شاهداً على مرحلة، وصانعاً لجزء من ذاكرتها، ورمزاً من رموزها التي تستحق كل التقدير والإشادة.
محمد اليطفتي




