بورتريهات

محمد أغطاس السعيدي… حين يصبح الوفاء للتنظيم مدرسة، ويغدو النضال ذاكرةً تمشي بين الناس

محمد اليطفتي

هناك رجالٌ لا يحتاجون إلى تعريف، لأن الزمن تكفّل بكتابة أسمائهم في دفاتر الوفاء. رجالٌ لا تُقاس قيمتهم بما تقلدوه من مسؤوليات، بل بما تركوه من أثر في النفوس، وما راكموه من ثقة لدى رفاق الدرب، وما حافظوا عليه من ثبات في المواقف، حتى صاروا جزءًا من ذاكرة الحزب وتاريخه المحلي.
ومن هؤلاء، يبرز اسم الأخ محمد أغطاس السعيدي، أحد قيدومي مناضلي حزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة، ممن عاشوا الحزب فكرةً قبل أن يكون مؤسسة، ورسالةً قبل أن يكون موقعًا، وانتماءً لا تزعزعه تقلبات السياسة ولا تبدل الأزمنة.

إن الحديث عن محمد أغطاس السعيدي ليس حديثًا عن مسؤول تقلد مناصب، بل عن مناضل اختبرته الساحات، وعرفته الاجتماعات، واحتكم إليه التنظيم في المحطات الدقيقة، فكان دائمًا حاضرًا بعقل الحكيم، وصبر المجرب، وهدوء المؤمن بأن العمل السياسي الحقيقي هو تراكم يومي، لا ضجيج عابر.
شغل عضوية المجلس الوطني لحزب الاستقلال في عدة ولايات، مساهمًا في صياغة النقاشات الكبرى، ومدافعًا عن الثوابت التنظيمية، ومؤمنًا بأن قوة الحزب تنبع من وحدة صفه وصدق مناضليه.

وفي تدبير الشأن المحلي، تولى منصب نائب عمدة مدينة طنجة في ولايتين، وأسهم في خدمة المدينة وأهلها بروح المسؤولية، بعيدًا عن منطق الاستعراض، قريبًا من هموم المواطن وتطلعاته. كما حظي بثقة الساكنة لعدة مرات عضوًا بالمجلس الجماعي، ليجسد نموذج المنتخب الذي يعتبر المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا.
ولأن الاقتصاد والتجارة يشكلان ركيزة أساسية في التنمية، كان حضوره وازنًا داخل غرفة التجارة والصناعة والخدمات، حيث انتُخب عضوًا بمكتبها لعدة ولايات، مدافعًا عن قضايا المهنيين والتجار، ومؤمنًا بأن ازدهار الاقتصاد المحلي هو ازدهار للوطن بأكمله.

كما حمل هم المقاولة الوطنية من خلال عضويته بالمجلس الوطني للاتحاد العام للمقاولات والمهن، مساهمًا في تقريب رؤية الحزب من الفاعلين الاقتصاديين، وإيصال صوتهم إلى مؤسسات القرار.
وعلى المستوى التنظيمي، تولى مسؤولية كاتب فرع الحزب بحي اليواني في ولايتين، وأسهم في تأطير المناضلين وتقوية التنظيم، كما كان عضوًا بالمكتب الإقليمي للحزب لعدة ولايات، حاضرًا في مختلف المحطات السياسية والتنظيمية، مؤمنًا بأن الحزب لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالعمل اليومي والصبر الطويل.

ولم يكن ارتباطه بالتجارة مجرد نشاط مهني، بل رسالة للدفاع عن التجار، حيث يرأس أقدم رابطة للتجار بسوق كاساباراطا، أحد أكبر الفضاءات التجارية بمدينة طنجة، فكان صوتًا للحوار، وجسرًا بين المهنيين والمؤسسات، حريصًا على حماية مصالحهم وتعزيز استقرارهم.

كما ترك بصمته داخل هيئة المستشارين الجماعيين الاستقلاليين، من خلال عضويته السابقة في مكتبها التنفيذي، مساهمًا في تأطير المنتخبين وتقوية الأداء المؤسساتي للحزب على المستوى الوطني.
إن سيرة محمد أغطاس السعيدي تختصر معنى الاستمرارية في النضال؛ فهو من ذلك الجيل الذي لم يربط انتماءه بالمناصب، ولم يجعل حضوره رهينًا بالمكاسب، بل ظل وفيًا لمدرسة علال الفاسي، يحمل قيمها في السلوك قبل الخطاب، ويؤمن بأن الرجال يرحلون، أما المبادئ فتبقى.

وفي زمن تتغير فيه الوجوه سريعًا، يبقى وجود القامات النضالية من أمثال محمد أغطاس السعيدي ضمانةً لاستمرار الذاكرة التنظيمية، واستمرار ذلك الخيط المتين الذي يربط حاضر حزب الاستقلال بماضيه المجيد، ويمنح الأجيال الجديدة نموذجًا حيًا لمعنى الالتزام، والوفاء، وخدمة الوطن من داخل المؤسسات، ومن قلب المجتمع.

إنه رجلٌ اختار أن يكون حاضرًا حيث تكون المصلحة العامة، وأن يبقى قريبًا من الناس، مؤمنًا بأن السياسة ليست طريقًا إلى الوجاهة، بل مسؤولية أخلاقية، وأن حزب الاستقلال سيظل قويًا ما دام يحتضن رجالًا من طينة الذين يجعلون من الصمت عملًا، ومن الوفاء تاريخًا، ومن خدمة الوطن أسلوب حياة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى