بورتريهات

أحمد خولالي أكزناي… ذلك الفينق الذي انبعث من الرماد، فعاد إلى بيته الاستقلالي حاملاً ذاكرة طنجة ورسالة الوفاء

هناك رجالٌ لا يعودون لأنهم غابوا، بل يعودون لأن الزمن استدعاهم. رجالٌ كلما ظنّ الناس أن نار التجربة قد أطفأت شغفهم، خرجوا من رمادها أكثر وهجًا، وأكثر إيمانًا بأن الوفاء ليس شعارًا يُرفع، بل عهدٌ يُصان.
هكذا هو الأخ أحمد خولالي أكزناي؛ ابن الأسرة الاستقلالية العريقة، الذي عاد إلى الصفوف الأمامية داخل المفتشية الإقليمية لحزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة، تلبيةً لوصيةٍ غير مكتوبة تركتها والدته المناضلة، ودعمًا لأخيه الدكتور عبد العزيز حيون، وإيمانًا بأن المرحلة التي يعيشها الحزب تستدعي أبناءه الذين لا يساومون على الانتماء.

لم تكن عودته عودة شخص إلى تنظيم، بل عودة جذور إلى تربتها الأولى.
فهو ابن امرأة صنعت جزءًا من تاريخ العمل الاجتماعي الاستقلالي بطنجة، حين كانت أول رئيسة للهلال الأحمر الاستقلالي سنة 1953، خلال فترة المنطقة الدولية، فكبر وهو يرى الوطنية ممارسة يومية، لا مجرد خطاب، والإخلاص للحزب سلوكًا قبل أن يكون انتماءً.

عرف أحمد أكزناي الحياة من أبوابها الصعبة. اشتغل موظفًا بوزارة التربية الوطنية، وتقلّد مسؤوليات مختلفة، لكنه دفع ثمن انتمائه إلى مدرسة حزب الاستقلال في سنوات لم يكن فيها الانتماء دائمًا طريقًا إلى الامتياز، بل كثيرًا ما كان بابًا للمعاناة والصبر. ومع ذلك، لم تنكسر روحه، بل ازداد اقتناعًا بأن الرجال تُقاس بثباتهم حين تشتد العواصف.

ولأن الحلم كان أكبر من الألم، انتصر عشقه للصحافة على كل الصعوبات. أسس موقعًا إلكترونيًا في ظروف قاسية، حتى أصبح واحدًا من أبرز الوجوه الإعلامية بمدينة طنجة، واشتهر بقلمه الذي دافع عن الإنسان والمدينة والهوية، بعيدًا عن الضجيج والبحث عن الأضواء.
وفي سنة 2014، توّج هذا المسار بتوشيحه بوسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الأولى، وهو تكريم ملكي مستحق لمسيرة إعلامية ووطنية حافلة بالعطاء.

ولم يكن ذلك التكريم الوحيد؛ ففي الرابع من مارس سنة 2018، نال شهادة الدكتوراه الفخرية من منظمة ألمانية للسلام، تحت إشراف مؤسسة طنجة الكبرى للشباب والديمقراطية، اعترافًا بكتاباته وإسهاماته المتواصلة منذ سنة 1988 في نشر ثقافة التسامح بين الأديان والشعوب، والدفاع عن قيم السلم، ومحاربة العنف والتطرف والكراهية.

لكن أحمد أكزناي لا يُقرأ فقط من خلال سيرته المهنية، بل من خلال علاقته الوجدانية بطنجة.
فهو لا يرى المدينة حجارةً وشوارع، بل كائنًا حيًا ينبض في ذاكرته.
كان يقول في لحظات شروده: “لا أسمع إلا نبضات كائنات طنجاوية تسري بين دروب وأزقة المدينة القديمة.”
ومن يعرف أحمد أكزناي، يعرف أنه كان موسيقيًا قبل أن يكون صحافيًا، يعشق عزف آلة الترومبيت، ويترجم أنغامها إلى رسائل عشقٍ لطنجة، لبحرها، ولأزقتها، ولرائحة التاريخ التي كانت تفوح من جدران المدينة القديمة.

يحكي عن سبعينيات طنجة كما يحكي العاشق عن حبيبته الأولى؛ عن القصبة، وعن مرشان، وعن حي أمراح، وعن المعلم السفود، وعن جلسات الحرفيين، وعن الغجرية خوانة، وعن الليالي التي كانت الموسيقى فيها لغةً للتعايش، قبل أن يغزو الإسمنت روح المدينة.
ولعل أكثر عباراته وجعًا تلك التي يهمس بها كلما استعاد ذاكرته:
“آه عليك يا طنجة… كنتِ طفلةً جميلةً محروقة الأصابع، كنتِ عذراء، فاغتصبوك في سواد الليالي… أعرفهم، وأعرف من أين أتوا… عشاق الإسمنت الذين باعوا روح المدينة.”
ذلك ليس حنينًا إلى الماضي فحسب، بل دفاعٌ عن هوية مدينة آمن بأنها تستحق أن تُحفظ للأجيال.

أما في الحقل الإعلامي، فقد راكم تجربة واسعة، اشتغل خلالها مراسلًا لعدد من الجرائد الوطنية والجهوية، وانتُخب عضوًا بالمجلس الوطني للكونفدرالية المغربية للصحافة الإلكترونية، كما تولى مهمة الكاتب العام للاتحاد المغربي للصحافة الإلكترونية، وكان عضوًا بالفرع الجهوي للفيدرالية المغربية لناشري الصحف والإعلام الرقمي، وعضوًا بالنقابة الوطنية للصحافة المغربية، كما سبق له خلال تسعينيات القرن الماضي أن انخرط في هيئات الصحافة الفرنكوفونية على مستوى شمال إفريقيا.
إنها مسيرة تؤكد أن الإعلام بالنسبة إليه لم يكن مهنةً فحسب، بل رسالة للدفاع عن الحقيقة، وعن المدينة، وعن الإنسان.

واليوم، وهو يعود إلى بيته الاستقلالي، لا يعود باحثًا عن موقع أو مسؤولية، وإنما يعود وفي جعبته عقودٌ من التجربة، وذاكرةٌ تختزن تاريخ طنجة، وقلبٌ ما زال مؤمنًا بأن الوفاء لا يسقط بالتقادم.
في زمنٍ أصبح فيه كثيرون يغيّرون مواقعهم مع تغيّر الرياح، بقي أحمد خولالي أكزناي وفيًا للجذور، مؤمنًا بأن الرجال الحقيقيين لا ينسون البيت الذي صنعهم، ولا يتخلون عن المبادئ التي ربّتهم.

ذلك هو أحمد خولي أكزناي…
الفينيق الذي لم تحرقه السنون، بل جعلته أكثر قدرةً على التحليق، وأكثر إيمانًا بأن حزب الاستقلال سيظل بيت الأوفياء، وأن طنجة، مهما أثقلتها الجراح، ستبقى المدينة التي تستحق أن يُكتب لها، ويُناضل من أجلها، ويُحَبُّ ترابها حتى آخر العمر.

محمد اليطفتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى