تحقيقات وآراء

حين تنتصر الدولة للاستباق… المغرب يؤكد أن السيادة ليست شعارا بل ممارسة يومية

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتداخل فيه التهديدات التقليدية مع المخاطر الرقمية، لم تعد قضايا الهجرة غير النظامية مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالفقر أو البطالة أو البحث عن مستقبل أفضل، وإنما تحولت إلى أحد أكثر الملفات تعقيدا وتشابكا،حيث تتقاطع فيها رهانات الأمن القومي، وحسابات السياسة الدولية، ومصالح شبكات الجريمة المنظمة، والحروب الرقمية،والدعاية المضللة، والاستغلال البشع لأحلام الشباب.

ومن هذا المنطلق،فإن التصريح الذي أصدرته وزارة الداخلية حول الأحداث التي عرفتها نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية لا ينبغي التعامل معه باعتباره بلاغا إخباريا عاديا أو ردا ظرفيا على وقائع ميدانية، بل باعتباره وثيقة سياسية وأمنية ذات دلالات عميقة، تكشف طبيعة التحديات الجديدة التي تواجه المملكة المغربية، وتبرز في الوقت نفسه مدى نضج الدولة المغربية في تدبير الأزمات وفق رؤية استباقية، تستند إلى التخطيط واليقظة والاحترافية وسيادة القانون.

لقد اعتادت بعض الجهات، كلما شهدت المعابر المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، أو محيطهما، توترا أو محاولات للهجرة غير النظامية، أن تسارع إلى إطلاق التأويلات، وتغذية الإشاعات، وبناء الروايات قبل ظهور الحقائق. غير أن الدولة المغربية اختارت مرة أخرى لغة الأرقام، ومنهج المعطيات الدقيقة، والشفافية في عرض الوقائع، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات في نفسها، وإيمانها بأن الرأي العام يستحق الحقيقة كاملة، بعيدا عن المزايدات الإعلامية أو الحملات الرقمية التي تستهدف التشويش على نجاحات المملكة.

لقد جاء التصريح واضحا في التأكيد على أن ما وقع لم يكن نتيجة اندفاع تلقائي أو تفاعل عفوي بين آلاف الشباب، وإنما كان ثمرة عملية تضليل واسعة النطاق، شاركت فيها منصات رقمية، واستثمرت فيها شبكات الاتجار بالبشر، كما غذتها تأويلات مغلوطة لبعض القرارات والإجراءات القانونية المتعلقة بالهجرة، الأمر الذي خلق لدى عدد من الشباب اعتقادا زائفا بإمكانية الوصول إلى الضفة الأخرى دون مساءلة أو إعادة.

وهنا تكمن خطورة المرحلة.

ونحن أمام جيل يعيش داخل فضاء رقمي مفتوح، يتلقى أخباره من مقاطع قصيرة ومنشورات مجهولة المصدر أكثر مما يتلقاها من المؤسسات الرسمية أو وسائل الإعلام المهنية، وهو ما يجعل الإشاعة تتحول في ساعات قليلة إلى “حقيقة” بالنسبة لآلاف الأشخاص، ويجعل  الأخبار الكاذبة قادرة على دفع شباب إلى المجازفة بحياتهم، ظنا منهم أنهم يسلكون طريقا آمنا نحو أوروبا.

إن ما وقع يعيد إلى الواجهة سؤالا بالغ الأهمية: هل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى أخطر أدوات تهديد الأمن الوطني؟

الجواب، في ضوء ما كشفته وزارة الداخلية، يبدو واضحا. فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يرتبط فقط بحراسة الحدود أو مراقبة السواحل، بل أصبح يشمل حماية العقول من التضليل، ومواجهة الحرب النفسية، والتصدي لحملات التلاعب الجماعي التي تستهدف دفع المواطنين إلى اتخاذ قرارات قد تنتهي بمآس إنسانية.

وفي هذا السياق، برزت مرة أخرى قوة النموذج المغربي في التدبير الاستباقي للأزمات.

فمنذ اللحظات الأولى، لم تنتظر السلطات العمومية انفلات الوضع أو تفاقم المخاطر، بل تحركت وفق مقاربة متكاملة، اعتمدت الرصد المبكر للمؤشرات، ورفعت درجات اليقظة، وعززت حضور السلطات الترابية، وعبأت مختلف الأجهزة الأمنية، وكثفت المراقبة البرية والبحرية، بما مكن من التحكم في مجريات الأحداث، والحفاظ على الأمن العام، وإنقاذ الأرواح، وتفادي سيناريوهات أكثر خطورة.

إنها ليست مجرد إجراءات ميدانية، بل تعبير عن مدرسة مغربية في إدارة الأزمات، أصبحت تحظى بتقدير إقليمي ودولي، لأنها تقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ العمق: الاستباق أفضل من رد الفعل.

https://istiqlaltanger.com/?p=2142

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى