ذ. طارق الوكيلي: حزب الاستقلال والشباب.. تجديد السياسة يبدأ من تجديد النخب

حزب الاستقلال والشباب.. تجديد السياسة يبدأ من تجديد النخب
مقال رأي :ذ. طارق الوكيلي
لم يعد انخراط الشباب في الحياة السياسية ترفاً أو شعاراً موسمياً يرفع مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بل أصبح ضرورة حقيقية تفرضها طبيعة المرحلة وحجم التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. فالمغرب الذي يطمح إلى بناء مؤسسات قوية وديمقراطية متجددة، يحتاج قبل كل شيء إلى شباب يؤمن بأن السياسة مجال لخدمة الوطن والمواطن، وليس مجرد وسيلة للوصول إلى مواقع المسؤولية.
وفي هذا السياق، يملك حزب الاستقلال رصيداً تاريخياً وسياسياً يجعله معنياً، أكثر من غيره، بالمساهمة في بناء جيل جديد من الفاعلين السياسيين. فحزب ارتبط اسمه تاريخياً بالحركة الوطنية والدفاع عن استقلال القرار الوطني، لا يمكن أن ينظر إلى المستقبل بعقلية الماضي فقط، وإنما عليه أن يجعل من تجديد النخب واستقطاب الكفاءات الشابة امتداداً طبيعياً لمشروعه الوطني.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس على عدد الشباب الذين يلتحقون بالحزب، وإنما على نوعية حضورهم وتأثيرهم.
فالشباب لا يريدون أن يكونوا مجرد واجهة انتخابية أو قوة تعبئة في المناسبات، وإنما يريدون أن يكون لهم صوت في النقاش، وموقع في القرار، ومساحة حقيقية لطرح الأفكار والمبادرات.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على حزب الاستقلال: أن يجعل من التنظيم الحزبي مدرسة حقيقية للمواطنة والتكوين السياسي. مدرسة يتعلم فيها الشباب كيف يختلفون دون خصومة، وكيف يتحاورون دون إقصاء، وكيف يدافعون عن أفكارهم بالحجة والبرنامج، وكيف ينتقلون من نقد الواقع إلى اقتراح البدائل.
كما أن المطلوب هو فتح الطريق أمام الكفاءات الشابة لتحمل المسؤولية وفق معايير الكفاءة والاستحقاق والنزاهة.
فالتجديد لا ينبغي أن يكون مجرد تغيير في الأعمار، وإنما تغييراً في العقليات وأساليب العمل وأدوات التواصل مع المجتمع.
إن الشباب الاستقلالي اليوم مطالب بأن يكون أكثر حضوراً في قضايا المجتمع، وأن يقترب من المواطنين، وأن يجعل من قضايا التشغيل والتعليم والصحة والرياضة والثقافة والابتكار والعدالة المجالية جزءاً من أجندته السياسية اليومية. فالمواطن لن يقيس جدية الخطاب السياسي بعدد الشعارات، وإنما بمدى قدرة السياسي على فهم مشاكله والدفاع عن حلول واقعية لها.
وفي المقابل، فإن منح الشباب الثقة لا يعني إقصاء التجربة والخبرة ،فالحزب القوي هو الذي يستطيع أن يجمع بين رصانة جيل الرواد وطموح جيل الشباب، وبين تراكم التجربة وجرأة المبادرة. فلا مستقبل من دون ذاكرة، ولا تجديد من دون احترام للتاريخ، ولا تاريخ يستمر من دون أجيال جديدة تحمل المشعل.
ومن هذا المنطلق، فإن تقوية حضور الشباب داخل حزب الاستقلال يجب أن تتحول إلى ورش سياسي وتنظيمي مستمر، يقوم على التكوين والتأطير والاستماع والمشاركة الفعلية في صناعة القرار. كما ينبغي أن تكون الهياكل الشبابية فضاءات لإنتاج الأفكار والكفاءات، وليس فقط أدوات للتعبئة خلال الحملات الانتخابية.
لقد تغيرت علاقة الشباب بالسياسة. فالشاب المغربي اليوم أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومة، وأكثر حساسية تجاه قضايا الحكامة والشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص. ولذلك فإن مخاطبته بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً. المطلوب هو خطاب صادق، واضح، قريب من الواقع، والأهم من ذلك أن يكون مصحوباً بممارسة سياسية تعكس ما يقال.
إن تجديد حزب الاستقلال يمر حتماً عبر تجديد طاقاته البشرية، وتجديد طاقاته البشرية يمر عبر منح الشباب فرصة حقيقية لإثبات الذات وتحمل المسؤولية. فلا يمكن أن نطلب من الشباب الثقة في السياسة إذا لم نمنحهم نحن الثقة داخل مؤسساتها وأحزابها.
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة جيل ضد جيل، ولا معركة مواقع داخل الحزب، وإنما هي معركة من أجل بناء ممارسة سياسية أكثر نجاعة وأكثر التصاقاً بالمواطن. والشباب، بما يملكونه من طاقة وأفكار وقدرة على التواصل والمبادرة، قادرون على أن يكونوا في قلب هذا التحول.
حزب الاستقلال لا يحتاج فقط إلى شباب يناضلون من أجل الحزب، بل إلى شباب يجعلون من الحزب وسيلة للنضال من أجل الوطن.
وتلك هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة: تجربة تحمي الذاكرة، وشباب يصنع المستقبل، وحزب يفتح المجال أمام الاثنين لبناء مغرب أكثر قوة وعدلاً وديمقراطية.




