الجالية المغربية بالخارج… من تحويل الأموال إلى شراكة حقيقية في التنمية الوطنية

مقال رأي بقلم: محمد العربي العشيري
لم تعد الجالية المغربية المقيمة بالخارج مجرد امتداد بشري للمغرب خارج حدوده، ولا مجرد رافد مالي يساهم في دعم الاقتصاد الوطني من خلال التحويلات التي تضخها سنوياً في الدورة الاقتصادية الوطنية، بل أصبحت، بحكم التحولات التي عرفتها بنيتها وتركيبتها ومستوياتها العلمية والمهنية، ثروة وطنية متعددة الأبعاد، تختزن من الخبرات والكفاءات والتجارب والعلاقات الدولية ما يجعلها شريكاً استراتيجياً في بناء مغرب المستقبل، وليس مجرد مصدر للتحويلات المالية أو جسراً موسمياً بين الوطن وبلدان الإقامة.
لقد تغير مغاربة العالم، وتغيرت مواقعهم داخل المجتمعات التي يعيشون فيها، وتطورت مؤهلاتهم وتنوعت مجالات اشتغالهم، وأصبح بينهم أطباء ومهندسون وباحثون وأساتذة جامعيون وخبراء في الاقتصاد والمالية والتكنولوجيا والطاقات المتجددة والذكاء الاصطناعي والإدارة، إلى جانب رجال أعمال ومستثمرين ومقاولين راكموا تجارب ناجحة في أسواق مختلفة، وأقاموا علاقات واسعة مع المؤسسات الاقتصادية والعلمية والمالية في بلدان الإقامة. ولذلك فإن استمرار النظر إلى هذه الجالية من زاوية ما تحوله من أموال فقط، هو اختزال غير مقبول لثروة وطنية أكبر بكثير، كما أنه يحرم المغرب من الاستفادة الكاملة من واحدة من أهم أوراق قوته الناعمة والبشرية والاقتصادية.
لقد آن الأوان لكي يتغير السؤال الوطني من “كم تحول الجالية إلى المغرب؟” إلى سؤال أكثر عمقاً واستشرافاً: “كيف يمكن للمغرب أن يستثمر في خبرات وكفاءات وعلاقات وشبكات مغاربة العالم؟”. فالتحويل المالي، مهما بلغت أهميته، ليس سوى أحد أشكال المساهمة في الوطن، بينما يمكن للخبرة والمعرفة والاستثمار والتكنولوجيا والعلاقات الاقتصادية أن تنتج قيمة مضافة أكثر استدامة، وأن تفتح أمام الاقتصاد الوطني أبواباً جديدة للأسواق والشراكات والابتكار.
ولا أحد ينكر أهمية تحويلات مغاربة العالم بالنسبة للاقتصاد الوطني وبالنسبة لملايين الأسر المغربية، فهي تظل رافداً مهماً من روافد الاقتصاد، وتساهم في دعم القدرة الشرائية والاستثمار وتعزيز رصيد البلاد من العملة الصعبة. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الدور إلى الصورة الوحيدة التي نرى من خلالها الجالية. فمغربي العالم ليس محفظة مالية تعبر الحدود، وليس رقماً في تقارير المؤسسات المالية، وليس فقط مواطناً يعود إلى المغرب خلال العطلة الصيفية. إنه مواطن مغربي يحمل معه إلى العالم اسم بلده، وتجربته، وثقافته، وقدرته على بناء العلاقات وفتح الأبواب أمام بلده.
ومن هنا ،فإن الانتقال من منطق “الجالية التي تحول الأموال” إلى منطق “الجالية التي تشارك في صناعة التنمية” لم يعد ترفاً فكرياً أو شعاراً موسمياً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها التحولات الاقتصادية والديمغرافية والاجتماعية التي يعيشها المغرب والعالم.
وفي مقدمة ما ينبغي الاشتغال عليه في هذا السياق، ملف الاستثمار. فعدد كبير من مغاربة العالم يرغبون بالفعل في الاستثمار في وطنهم، ويملكون الإمكانات المالية والخبرات اللازمة لذلك، غير أن الرغبة في الاستثمار لا تكفي وحدها لبناء مشروع ناجح. المستثمر يحتاج إلى وضوح في القواعد، وسرعة في الإجراءات، وشفافية في التعامل، ومعلومة دقيقة، ومواكبة حقيقية، وإدارة حديثة قادرة على تحويل الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى قيمة مضافة وفرص شغل وثروة.
ومن غير المقبول أن ندعو المغربي المقيم بالخارج إلى الاستثمار في وطنه، ثم نتركه يواجه وحده تعقيدات المساطر وتعدد المتدخلين وطول آجال معالجة الملفات وعدم وضوح بعض الإجراءات. إن المستثمر المغربي المقيم في الخارج يقارن، بطبيعة الحال، بين البيئة التي يعرفها في بلد الإقامة وبين البيئة التي سيجدها في وطنه. ولذلك فإن كسب ثقته لا يكون بالخطب ولا بالمناسبات، وإنما بإقناعه عملياً بأن المغرب يريد نجاح مشروعه، وأن الإدارة شريك في إنجاحه وليست عائقاً أمامه.
وهنا تبرز الحاجة إلى منظومة خاصة وفعالة لمواكبة استثمارات مغاربة العالم، تقوم على الرقمنة وتبسيط المساطر وتوحيد المعلومة وتقليص آجال معالجة الملفات وتوفير مخاطب واضح للمستثمر، من مرحلة التفكير في المشروع إلى مرحلة إنجازه ثم تطويره. فالاستثمار يحتاج إلى الثقة قبل أن يحتاج إلى رأس المال، والثقة لا تُطلب من المستثمر وإنما تُبنى معه.
لكن الثروة الأهم التي ينبغي للمغرب أن يستثمر فيها هي ثروة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج. فهناك طاقات علمية ومهنية هائلة تعمل داخل جامعات ومراكز بحث ومؤسسات وشركات عالمية، وتتوفر على معرفة دقيقة بالتطورات التي يعرفها العالم في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والصناعة والطاقة والطب والعلوم والإدارة. ومن الخطأ أن ينظر إلى هجرة هذه الكفاءات باعتبارها خسارة نهائية للمغرب. صحيح أن مغادرة الكفاءات قد تحرم الوطن من جزء من موارده البشرية، لكن استمرار ارتباط هذه الكفاءات بالمغرب يمكن أن يحول الهجرة نفسها إلى قناة لنقل المعرفة والخبرة والتكنولوجيا.
فليس ضرورياً أن يعود الطبيب المغربي المقيم بالخارج نهائياً إلى المغرب حتى يستفيد الوطن من خبرته، وليس ضرورياً أن يترك الباحث جامعته الأجنبية حتى يساهم في تطوير البحث العلمي بالمغرب، وليس مطلوباً من المهندس أو الخبير أو المقاول أن يتخلى عن مساره المهني في الخارج حتى يصبح جزءاً من المشروع التنموي الوطني. المطلوب هو بناء جسور دائمة ومؤسساتية بين هذه الكفاءات ووطنها، عبر مشاريع بحث مشتركة، وبرامج لتبادل الخبرات، والتكوين، والاستشارات، ونقل التكنولوجيا، وإنشاء شبكات للكفاءات المغربية في مختلف أنحاء العالم.
إن المغرب في حاجة إلى تحويل هجرة الكفاءات من ظاهرة تستنزف الرصيد البشري إلى فرصة لتدوير المعرفة والخبرة بين الداخل والخارج. فنجاح مغربي في جامعة عالمية أو شركة دولية أو مركز بحث متقدم يمكن أن يتحول، إذا توفرت آليات الربط والمواكبة، إلى نجاح للمغرب أيضاً.
ثم إن العلاقة بين المغرب ومغاربة العالم لا يمكن اختزالها في الاقتصاد والاستثمار، لأن القضية في جوهرها قضية مواطنة وانتماء. فالمغربي المقيم بالخارج، مهما ابتعد جغرافياً، يظل مرتبطاً بالمغرب اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً، وتظل قضايا وطنه حاضرة في وجدانه وفي اهتمامه. ولذلك فإن توسيع قنوات الحوار والتشاور مع مغاربة العالم، والاستماع إلى انتظاراتهم ومقترحاتهم، وإشراكهم في القضايا التي تهم مستقبل الوطن، من شأنه أن يعزز الثقة ويقوي الشعور بالمواطنة ويجعل الانتماء إلى المغرب علاقة حية ومتجددة وليست مجرد رابطة عاطفية.
إن المشاركة في الحياة العامة ليست مجرد مسألة إجرائية، وإنما هي جزء من بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. ومغاربة العالم، بما راكموه من تجارب داخل أنظمة سياسية ومؤسساتية مختلفة، قادرون على تقديم أفكار ومقاربات وتجارب يمكن أن تغني النقاش الوطني، شريطة أن تكون هناك قنوات حقيقية ومنتظمة للاستماع إليهم والتفاعل مع مقترحاتهم.
غير أن التحدي الأكبر، وربما الأخطر على المدى البعيد، يتعلق بأبناء الجالية من الجيل الثاني والثالث. فالجيل الأول يحمل في ذاكرته المغرب الذي عاش فيه، ويحمل معه تفاصيل القرية أو المدينة والأسرة والحي واللغة والعادات. أما الأجيال الجديدة، فقد ولدت وترعرعت في بلدان أخرى، وتعلمت في مدارسها، وتشكل وعيها داخل مجتمعات مختلفة، وأصبح ارتباطها بالمغرب يحتاج إلى تجديد مستمر.
ولهذا فإن الحفاظ على الهوية المغربية لدى أبناء الجالية لا يمكن أن يظل رهين الخطاب العاطفي. المطلوب هو جعل علاقتهم بالمغرب تجربة حية. وهذا يقتضي تطوير برامج تعليم اللغة والثقافة المغربية، وتعزيز المبادرات الثقافية والشبابية، وتشجيع الزيارات والبرامج التربوية، وفتح المجال أمام شباب الجالية للتعرف على المغرب الذي يتغير ويتطور، والمشاركة في مشاريعه ومبادراته، حتى لا يتحول المغرب في وجدان الأجيال الجديدة إلى مجرد صورة قديمة يحتفظ بها الآباء والأجداد.
فالهوية لا تعيش بالحنين وحده، وإنما تحتاج إلى معرفة ومشاركة وتجربة وانفتاح.
وإذا كان المغرب قد قطع أشواطاً مهمة في بناء بنياته التحتية وتعزيز اقتصاده وتطوير حضوره الدولي، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعبئة جميع عناصر القوة الوطنية، داخل البلاد وخارجها. ومغاربة العالم يشكلون، دون شك، واحداً من أهم هذه العناصر. فهم يمتلكون رأس المال، ولكنهم يمتلكون أيضاً رأس المال البشري والمعرفي والعلاقات الدولية والخبرة في الأسواق العالمية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تؤسس لعقد جديد بين المغرب ومغاربة العالم، عقد يقوم على المواطنة والثقة والمشاركة والشراكة، وليس على الاستدعاء الموسمي أو الاحتفاء المناسباتي. فالجالية لا تحتاج فقط إلى كلمات الشكر، وإنما تحتاج إلى سياسات عمومية واضحة تجعلها تشعر بأنها جزء أصيل من المشروع الوطني، وأن الوطن لا يتذكرها فقط عندما يحتاج إلى تحويلاتها، وإنما يفتح لها أبوابه عندما تريد أن تستثمر خبرتها وطاقتها وأفكارها.
لقد آن الأوان للانتقال من خطاب الامتنان إلى منطق الشراكة، ومن الاحتفاء الموسمي إلى العمل المؤسساتي الدائم، ومن استدعاء الجالية عند الحاجة إلى إشراكها في صناعة الحلول. فالمغربي المقيم بالخارج لا يريد أن يكون مجرد زائر لوطنه، ولا مجرد محول للأموال إليه، وإنما يريد أن يشعر بأنه شريك في مستقبله.
والمغرب الذي يريد أن يبني اقتصاداً قوياً وتنافسياً، ويعزز موقعه كمنصة للاستثمار والتكنولوجيا والطاقات المتجددة، ويطور حضوره في محيطه الإفريقي والمتوسطي والدولي، لا يمكنه أن يتعامل مع ملايين المغاربة المنتشرين في العالم باعتبارهم مجرد قوة مالية. إنهم قوة بشرية ومعرفية واقتصادية وثقافية قادرة على أن تكون جسراً بين المغرب والعالم.
والحقيقة أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الأموال التي تعبر الحدود نحو الوطن، وإنما أيضاً بحجم الخبرات والأفكار والاستثمارات والتكنولوجيا والشراكات التي تعبر الحدود في الاتجاهين. فالمغرب لا يحتاج من أبنائه في الخارج أموالهم فقط، وإنما يحتاج عقولهم وتجاربهم وعلاقاتهم ومبادراتهم.
وهنا تكمن فلسفة المرحلة المقبلة: أن يتحول مغربي العالم من محول للأموال إلى شريك في صناعة الثروة، ومن زائر موسمي إلى مواطن دائم الحضور في المشروع الوطني، ومن طاقة موزعة في العالم إلى قوة مغربية ممتدة عبر العالم.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: ماذا يقدم مغاربة العالم لوطنهم؟ بل أيضاً: ماذا يقدم الوطن حتى يشعر كل مغربي يعيش خارج حدوده أن المغرب لا ينتظر أمواله فقط، وإنما يحتاج إلى عقله وخبرته وصوته ومشاركته؟
عندما نصل إلى هذه المعادلة، سنكون قد انتقلنا فعلاً من علاقة تقوم على التحويلات إلى علاقة تقوم على الشراكة، ومن جالية تُستقبل كل صيف إلى رأسمال وطني حاضر طوال السنة، ومن مواطن يعيش خارج الوطن إلى مواطن يساهم، من موقعه، في صناعة مستقبل الوطن.
وذلك هو الرهان الحقيقي: أن يصبح مغاربة العالم جزءاً من صناعة التنمية الوطنية، لا مجرد مساهمين في تمويلها.
https://istiqlaltanger.com/?p=2237



