مغرب في مواجهة صناعة الوهم

بقلم : محمد اليطفتي
ليست أخطر الحدود تلك التي تفصل بين بلدين، بل تلك التي تنشأ داخل الإنسان نفسه؛ بين ما يعيشه وما يتخيله، بين وطن ينتمي إليه وحلم يعتقد أن خلاصه يوجد خارجه، وبين حقيقة معقدة تحتاج إلى الصبر والوهم الذي يقدم النجاة في صورة مقطع قصير على شاشة هاتف.
فالإنسان لا يعبر الحدود بجسده فقط. أحيانا يعبرها أولا في خياله.
ومن هنا، فإن أحداث سبتة المحتلة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها واقعة مرتبطة بالهجرة أو بمحاولات العبور، ولا باعتبارها مجرد لحظة أمنية عابرة. إنها، في عمقها، سؤال أكبر عن الإنسان المغربي حين تضيق أمامه إمكانات الأمل، وحين يصبح المستقبل في المخيلة أكثر رحابة من الواقع، وحين تتحول الشاشة إلى نافذة لا تطل على العالم كما هو، بل على العالم كما يريد الآخرون أن نراه.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
معركة لا تُسمع فيها أصوات الرصاص، ولا تُرسم حدودها على الخرائط، ولا تحتاج بالضرورة إلى جيوش تتحرك في الميدان؛ لأنها تجري في مكان أكثر حساسية: في العقل والوجدان والخيال الجماعي.
حين يصبح اليأس مادة سياسية
ليس اليأس مجرد حالة نفسية فردية. في المجتمعات التي تعيش تحولات عميقة، يمكن لليأس أن يتحول إلى طاقة سياسية واجتماعية قابلة للاستثمار.
الشاب الذي يفقد ثقته في الغد لا يحتاج إلى من يقنعه بأن الطريق صعب؛ هو يعرف ذلك. ما يحتاجه هو من يمنحه رواية بديلة عن حياته، رواية تختصر العالم في معادلة شديدة البساطة: هنا انسداد، وهناك خلاص.
وهكذا يصبح البحر طريقا، والحدود بابا، والمجهول وعدا.
المشكلة ليست في أن يحلم الإنسان بحياة أفضل؛ فالحلم حق إنساني لا يمكن مصادرته. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحلم إلى سلعة، وعندما تُبنى صناعة كاملة على بيع الوهم لمن فقدوا القدرة على رؤية المستقبل داخل وطنهم.
وفي العصر الرقمي، لم يعد التضليل يحتاج إلى آلة دعائية ضخمة. يكفي هاتف، ومقطع مؤثر، وصورة منتقاة، وشهادة فردية، وخوارزمية تعرف كيف تدفع المحتوى الأكثر إثارة إلى أكبر عدد من العيون.
وهنا يصبح أخطر شيء في التضليل ليس أنه يكذب دائما، بل أنه يقول جزءا من الحقيقة كي يجعل الكذب ممكنا.
قد يعرض حياة مهاجر ناجحا، لكنه لا يعرض سنوات المعاناة التي سبقت نجاحه. قد يعرض صورة مدينة أوروبية مضاءة، لكنه لا يعرض الوحدة والبطالة والهشاشة الاجتماعية. قد يصور محاولة العبور باعتبارها مغامرة، لكنه لا يعرض البحر باعتباره مقبرة محتملة.
إنه لا يصنع واقعا جديدا، بل يعيد ترتيب الواقع القديم حتى يبدو الوهم أكثر إقناعا من الحقيقة.
سبتة… حين تتحول الجغرافيا إلى سؤال حضاري
سبتة المحتلة ليست مجرد نقطة على الخريطة.
إنها إحدى أكثر المفارقات التاريخية قسوة في الوعي المغربي: مدينة محتلة من التراب المغربي، لكنها تظهر في المخيال الرقمي لبعض الشباب وكأنها بوابة إلى عالم آخر.
وهنا المفارقة التي تستحق التأمل:
كيف يمكن لمكان يوجد داخل الجغرافيا المغربية التاريخية والوطنية أن يتحول في مخيلة بعض أبنائها إلى رمز للعبور نحو الخارج؟
هذا السؤال أكثر أهمية من سؤال: كيف وصل هؤلاء إلى الحدود؟
لأن معالجة النتائج دون فهم الأسباب لا تنتج إلا هدنة مؤقتة مع المشكلة.
إن المغرب، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس، لم يجعل من قضية الوحدة الترابية مجرد شعار سياسي، بل جعلها مشروع دولة متعدد الأبعاد، يقوم على التنمية، وتقوية المؤسسات، وتعزيز الحضور الدولي، وتثبيت السيادة، وربط الأقاليم الجنوبية بمسار تنموي واستراتيجي متكامل.
لكن السيادة، في عالم اليوم، لا تكتمل بمجرد امتلاك الأرض.
السيادة هي أيضا أن يشعر المواطن أن مستقبله يمكن أن يُبنى فوق هذه الأرض.
وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج.
الملك محمد السادس… مشروع دولة في مواجهة زمن القلق
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، لم يكن بناء المغرب مجرد ورش للبنيات التحتية والمؤسسات، بل كان في جوهره محاولة لإعادة صياغة علاقة المواطن بالدولة وبالمستقبل.
المغرب الذي نراه اليوم ليس هو المغرب الذي كان عليه قبل عقود.
طرق وموانئ ومطارات، أوراش صناعية كبرى، تحول رقمي، إصلاحات اجتماعية، مشاريع استراتيجية، انفتاح اقتصادي، حضور إفريقي ودولي متزايد، واستثمار غير مسبوق في الموقع الجيو-اقتصادي للمملكة.
لكن التاريخ يعلمنا أن نجاح الدول لا يقاس فقط بحجم ما تبنيه من منشآت، وإنما أيضا بقدرتها على تحويل الإنجاز المادي إلى إحساس اجتماعي بالمستقبل.
وهنا تحديدا تكمن أهمية الرؤية الملكية.
فالمشروع الوطني الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس لا ينظر إلى المغرب باعتباره بلدا ينتظر المستقبل، وإنما باعتباره بلدا يصنع شروطه.
وهذا ما يجعل معركة الوعي جزءا لا يتجزأ من معركة البناء.
فحين تبني ميناء، فأنت تبني اقتصادا.
وحين تبني طريقا، فأنت تبني اتصالا.
وحين تستثمر في التعليم، فأنت تبني الإنسان.
لكن حين تمنح الإنسان الثقة في أن له مكانا في وطنه، فأنت تبني السيادة من الداخل.
من الحدود الجغرافية إلى الحدود الرقمية
لقد تغير تعريف القوة.
في القرن الماضي كانت الدولة القوية هي التي تمتلك الجيوش والاقتصاد والموارد.
أما اليوم، فقد أضيف إلى هذه العناصر عنصر أكثر غموضا وخطورة: القدرة على إنتاج الحقيقة وحماية الوعي.
لم تعد الحروب الحديثة تحتاج دائما إلى دبابات.
قد تبدأ بصورة.
أو بخبر مجهول المصدر.
أو بفيديو مجتزأ.
أو بحساب وهمي.
أو بحملة رقمية تجعل الاستثناء يبدو قاعدة، والفشل يبدو شاملا، والنجاح يبدو كذبة.
والأخطر من ذلك كله هو أن الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق يفتحان الباب أمام مرحلة يمكن فيها صناعة صوت الشخص وصورته وكلامه دون أن يكون قد قال شيئا.
حينها لن تكون المشكلة أن الناس سيصدقون الكذبة فقط.
المشكلة الأكبر أنهم قد يصلون إلى مرحلة لا يصدقون فيها الحقيقة أيضا.
وهنا تبلغ معركة الوعي ذروتها.
المغرب لا يحتاج إلى إنكار مشكلاته… بل إلى امتلاك شجاعة مواجهتها
الدفاع عن الوطن لا يعني أن نغلق أعيننا عن اختلالاته.
بل العكس تماما.
الوطن القوي هو الذي يستطيع أن ينظر إلى نقاط ضعفه دون خوف، وأن يعترف بمواطن النقص دون أن يسمح لأحد بتحويلها إلى حكم نهائي على الوطن كله.
ومن هنا ينبغي التمييز بين النقد الوطني والتضليل الممنهج.
النقد ضرورة.
والصحافة المهنية ضرورة.
والمساءلة ضرورة.
والاختلاف السياسي ضرورة.
أما تحويل كل مشكلة إلى دليل على انهيار الدولة، وكل حادث إلى صورة عن وطن بلا مستقبل، وكل تعثر إلى دعوة إلى الهروب، فذلك ليس نقدا؛ إنه اختزال خطير للواقع.
المغرب ليس بلدا بلا مشاكل، ولا توجد دولة في العالم كذلك.
لكن المغرب أيضا ليس بلدا بلا إنجازات.
وبين هذين الحدين توجد الحقيقة.
والصحافة التي تبحث عن الحقيقة لا تبيع اليأس، كما أنها لا تبيع الوهم.
المعركة المقبلة هي معركة الثقة
إذا كانت الحدود تُحمى بالأمن، فإن المجتمعات تُحمى بالثقة.
الثقة في الدولة.
الثقة في المؤسسات.
الثقة في المدرسة.
الثقة في الإعلام.
والأهم: الثقة في المستقبل.
ولهذا فإن أحداث سبتة يجب ألا تدفعنا فقط إلى تشديد المراقبة على الحدود، بل إلى طرح أسئلة أكثر عمقا: لماذا يصبح الخارج في مخيلة بعض الشباب أكثر جاذبية من الداخل؟ لماذا يستطيع فيديو مدته ثلاثون ثانية أن يهزم في ذهن شاب سنوات من الانتماء؟ ولماذا تبدو صورة الحياة خارج الوطن أحيانا أكثر إقناعا من آلاف الحقائق التي يعيشها يوميا؟
هذه ليست أسئلة أمنية فقط.
إنها أسئلة اقتصادية وتربوية وثقافية وإعلامية ونفسية.
وهي، في النهاية، أسئلة دولة.
المغرب الذي نريده ليس مغربا يمنع الحلم… بل مغربا يصنعه
ليس المطلوب أن نقول للشباب: لا تحلموا بالهجرة.
فالحلم بالسفر ليس جريمة، والبحث عن فرص أفضل ليس خيانة للوطن.
المطلوب أن يصبح المغرب نفسه قادرا على إنتاج أحلام كبيرة لشبابه.
أن يكون الحلم بمشروع داخل طنجة أو الدار البيضاء أو فاس أو أكادير أو وجدة، ممكنا بقدر الحلم بالوصول إلى أوروبا.
أن يشعر الشاب أن بلده لا يطالبه فقط بالصبر، بل يمنحه أدوات النجاح.
أن يرى في وطنه طريقا لا جدارا.
وأن يعرف أن المستقبل ليس جغرافيا أجنبية بالضرورة.
هذه هي المعادلة التي ينبغي أن نعمل من أجلها.
لأن السيادة تبدأ من الإنسان
في النهاية، لا تختزل قضية سبتة المحتلة في شباب حاولوا العبور، ولا في حدود جرى تشديد حراستها، ولا في فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل.
إنها مرآة لعصر كامل تغيرت فيه طبيعة الصراع.
أصبح الإنسان نفسه ساحة المعركة.
ومن يستطيع أن يؤثر في خوفه، ورغبته، وغضبه، وأمله، يستطيع أن يؤثر في اختياراته.
ولهذا فإن المغرب، وهو يواصل تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس بناء موقعه الإقليمي والدولي، والاستعداد لاستحقاقات كبرى من بينها احتضان كأس العالم 2030، يحتاج إلى أن يوازي بين بناء القوة المادية وبناء المناعة المعنوية والمعرفية للمجتمع.
فالدولة التي تحمي حدودها فقط قد تمنع العبور.
أما الدولة التي تبني الأمل، وتحمي الحقيقة، وتمنح الشباب أسباب البقاء والنجاح، فإنها تمنع شيئا أعمق: انهيار المعنى.
ولعل هذه هي الخلاصة التي ينبغي أن تخرج بها سبتة من حدودها الضيقة إلى أفقها الوطني الأوسع:
لا يكفي أن نحمي حدود المغرب من الذين يريدون اختراقها؛ علينا أيضا أن نحمي عقول المغاربة من الذين يريدون اختراقها.
فالحدود الأخيرة ليست دائما على الأرض.
بعضها يسكن في الشاشة.
وبعضها يسكن في الخيال.
وبعضها أخطر من ذلك كله… يسكن في قلب شاب فقد ثقته بأن الغد يمكن أن يكون أجمل هنا.
ومن أجل ذلك، فإن أعظم معارك المغرب ليست فقط أن يحافظ على أرضه، وإنما أن يجعل أبناءه يؤمنون بأن لهذه الأرض مستقبلا يستحق أن يُعاش.
تلك هي السيادة في معناها الأعمق: أن تمتلك الدولة ترابها، وأن يمتلك المواطن مستقبله، وأن يظل الأمل مغربي.
https://istiqlaltanger.com/?p=2266



